خصوصية المسؤولية الجنائية في جرائم الأعمال

 

خصوصية المسؤولية الجنائية في جرائم الأعمال

The specificity of criminal liability in business crimes

محمد منار

دكتور في القانون الخاص

 

ذة. فدوى بوامرازن

باحثة بسلك الدكتوراه

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – جامعة محمد الأول بوجدة

الملخص: تعتبر المسؤولية الجنائية أحد أهم العناصر الجوهرية في العلوم الجنائية، وإن كانت تتأسس على الإدراك والتمييز وحرية الاختيار كأساس لقيامها، فإن ما استجد في ميدان الأعمال والمقاولات من أفعال تؤثر في النظام العام الاقتصادي للدولة استدعى تجريم تلك الأفعال، غير أن طبيعة هذا المجال يقتضي ابتكار بعض التقنيات القانونية، أو بالأحرى الخروج عن بعض المقتضيات التقليدية للقانون الجنائي، ومن هذه المقتضيات التي أصبغ عليها المشرع بعض الخصوصية، نجد مجال المسؤولية الجنائية.

Abstract :Criminal liability is considered one of the most fundamental elements in criminal sciences, even though it is based on awareness, discrimination, and freedom of choice as the basis for its establishment. What has been new in the field of business and contracting in terms of actions that affect the general economic system of the state necessitated the criminalization of these actions. However, the nature of this field requires the innovation of some Legal techniques, or rather departure from some of the traditional requirements of criminal law, and among these requirements that the legislator has given some privacy, we find the field of criminal liability.

مقدمة:

يثير موضوع المسؤولية الجنائية في مجال الأعمال نقاشا قانونيا قديما ومتشعبا تمخض عن الجدل والآراء المتباينة بشأنه في التشريع والقضاء والفقه.

فالتطورات التي عرفها العالم ولا زال يعرفها على جميع الأصعدة، سواء الاقتصادية او السياسية وحتى القانونية، جعلت القانون الجنائي الكلاسيكي لا يستوعب هذا الكم من التحولات، الشيء الذي استلزم البحث عن حلول ناجعة لهذا التطور المتلاحق، نتيجة بروز جرائم جديدة ومتعددة ذات صبغة اقتصادية انضافت الى الجرائم التقليدية المنصوص عليها في القوانين الجنائية الكلاسيكية.

ولعل من أنجع هذه الحلول في ميدان الأعمال، إضفاء الصبغة الجرمية على بعض الأفعال وتقرير حماية جنائية لميدان المال والأعمال اعتبارا لكونه يدخل في مصاف المصالح الأساسية للمجتمع[1].

وأمام الدور التقليدي المحدود الذي يحظى به القانون الجنائي في مكافحة الجريمة، والذي أصبح عاجزا وغير قادر عن مواكبة ميدان الاعمال، نظرا لما يعرفه هذا الأخير من حركية وتجديد[2]،  كان لابد للتشريعات الوطنية إعادة النظر في نصوصها القانونية لتتلاءم مع متطلبات العصر الحديث، الشيء الذي حتم على الدولة العمل على رسم سياستها أمام هذه المتغيرات وذلك بسنها مجموعة من القوانين كقانون الجمارك والضرائب غير المباشرة، وقوانين البيئة والشركات وغير ذلك، ولعل هذا ما يمثل الوجه الاخر للسياسة الحكومية بالمعنى الواسع[3]، وبالتالي فتجديد القانون يواجه معضلتين، احداهما إرساء قواعد المفاهيم المتطورة الواجبة للمجتمع المراد تنظيمه، والثانية تقرير ما اذا كان واجب القانون الجنائي حماية هذه القيم بمفرده او ترك هذه الحماية لمؤسسات تعمل في نطاق القانون الجنائي[4].

إشكالية الموضوع:

تأسيسا على كل ما سبق، فإن الإشكالية المحورية لهذا الموضوع يمكن القول بأنها تتمثل في:

ما خصوصية المسؤولية الجنائية في مجال الأعمال؟

وفي محاولة الإلمام بمختلف جوانب هذا الموضوع تم تقسيمه إلى مبحثين رئيسين، خصصنا أولهما لدراسة القواعد الموضوعية للمسؤولية الجنائية في جرائم الأعمال، فيما أفردنا الثاني للقواعد المسطرية للمسؤولية الجنائية في جرائم الأعمال.

المبحث الأول: القواعد الموضوعية للمسؤولية الجنائية في  جرائم الأعمال

تسير مختلف القواعد الموضوعية في اتجاه تحديد صفة الشخص المعنوي كمسؤول عن الجريمة والهدف ليس اعفاء الشخص الطبيعي من تحمل مسؤوليته عنها وانما تجنب هذا الشخص تحمل الأثر القانوني للجريمة بمفرده مع انها صادرة عن الشخص المعنوي مما يعني إمكانية اشراك المسؤولية بين الشخص الطبيعي والشخص المعنوي بل هناك حالات يعين فيها الشخص كفاعل للجريمة خلاف ارتكب الأفعال المادية.

 ويكون ذلك بالنسبة للجرائم المرتكبة من طرف الشخص المعنوي او للجرائم المرتكبة من طرف الشخص الطبيعي اعمالا لمبدأ الاسناد للشخص المسؤول جنائيا،[5] بحيث جعلت ضخامة المعاملات واتساعها وقدرة الأشخاص على احتوائها العديد من هؤلاء الأشخاص يبادرون على اشباع حاجاتهم الأمر الذي أظهر الحاجة الى جعلهم معنيون بالمسؤولية الجنائية متى كان واضحا ان تصرفهم مس وخدش مصلحة محمية جنائيا.

المطلب الأول: مفهوم المسؤولية الجنائية في مجال الأعمال

شكل الاهتمام بالشخص الطبيعي كموضوع للمساءلة الجنائية نقطة تحول من مسار التطور الإنساني والحضاري الذي انعكس على تطور القانون الجنائي كمرحلة أولية ثم بعد الثورة الصناعية، ومع قيام مفهوم الدولة بمفهومها المعاصر والتي تبلورت عنها عدة مؤسسات دينية في البداية ثم بعد ذلك مؤسسات اقتصادية حيث تم إرساء مفهوم الشخص المعنوي تلبية لحاجات المجتمع في مختلف المجالات لكنه بقي بعيدا عن أي مساءلة جنائية إلى يومنا هذا في بعض التشريعات وهذه المسائلة تشكل نقطة تحول في تاريخ تطور القانون الجنائي، وأصبحت هناك ما يعرف بفروع القانون الجنائي ومنها القانون الجنائي للأعمال وذلك تصديا للانحرافات عن القواعد المنظمة لمختلف صور المعاملات والمصالح المالية والتجارية والاقتصادية.

الفقرة الأولى: ماهية وخصائص المسؤولية الجنائية في مجال الأعمال

تعتبر المسؤولية الجنائية أحد أهم العناصر الجوهرية في العلوم الجنائية، وإن كانت تتأسس على الإدراك والتمييز وحرية الاختيار كأساس لقيامها، فإن ما استجد في ميدان الأعمال والمقاولات من أفعال تؤثر في النظام العام الاقتصادي للدولة استدعى تجريم تلك الأفعال، غير أن طبيعة هذا المجال تقتضي ابتكار بعض التقنيات القانونية، بل بالأحرى الخروج عن بعض المقتضيات التقليدية للقانون الجنائي، ومن هذه المقتضيات التي أصبغ عليها المشرع بعض الخصوصية، نجد مجال المسؤولية الجنائية.

وتظهر خصوصية المسؤولية الجنائية في جرائم الأعمال باعتبارها خصوصية موضوعية من حيث أساس قيامها، فإن كان وجود الإرادة الحرة والإدراك والتمييز لدى الجاني أساس كافي بذاته لقيام المسؤولية وفق القواعد التقليدية للقانون الجنائي، والذي يوسمها بمبدأ شخصية المسؤولية، فإننا بصدد البحث في هذه النقطة في جرائم الأعمال وجدنا خروجا صريحا عن تلك المبادئ التقليدية، فالمسؤولية في القانون الجنائي للأعمال تقوم على عنصرين:

-        الخطأ المفترض بغض النظر عن عنصر القصد؛[6]

-        إسناد بعض جرائم الأعمال لغير مرتكبيها.

تخضع المسؤولية الجنائية في مجال الأعمال في أحكامها للقواعد العامة المنصوص عليها القانون الجنائي، والقواعد الخاصة المنصوص عليها القانون الجنائي للأعمال، في حين أن القانون الجنائي العام يبقى هو القاعدة العامة، ومن حيث الفاعل الأصلي والماسة والمشاركة في الجريمة والمحاولة، ومن حيث عناصر المسؤولية المبنية على سلامة العقل والقدرة على التمييز وأسباب انعدامها، فرجال الاعمال شأنه شأن باقي الأشخاص يمكنه ان يسأل، في إطار القانون الجنائي عن ذلك فعل مجرم قام به بمناسبة أدائه لمهامه، كالتزوير والنصب وخيانة الأمانة ... وهي الجرائم التي تخضع في تطبيقاتها للقواعد العامة في الزجر والعقاب.

أولا: المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية في مجال الاعمال

كان الإقرار بالمسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية بالكيفية الحالية وليد مجموعة من التطورات القانونية، هكذا ففكرة تحميل المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية هناك من أرجعها الى القانون الروماني[7]، إلا أنه مع ذلك هناك بالمقابل من أنكر ذلك على القانون الروماني، لأن الظروف التي كان يعرفها المجتمع آنذاك لم تكن تسمح بميلاد مثل هذا المبدأ، على اعتبار أن الأشخاص المعنوية، ككيان له تحركات اقتصادية وتصرفات قانونية لم تظهر إلا مع اكتشاف القارة الامريكية، وتوسع القوى الاستعمارية في آسيا وافريقيا.

بعد هذه الفترة استمر البحث القانوني في معالجة، ومناقشة فكرة المسؤولية الجنائية في مجال الاعمال، وقد جاء فيما بعد مدرسة جديدة سميت بالشراح على المتن اللاحقون “post glossateurs” والذين اعتبروا أن الشخص المعنوي له شخصيته التي هي نتيجة لإنصهار واندماج لشخصيات جميع أعضائه، فشخصية الشخص المعنوي هي الشخصية موحدة لجميع شخصيات الأشخاص المشكلين له[8]، وقد ميز هؤلاء بين الجرائم التي تدخل في الأنشطة العادية للشخص المعنوي، وبين تلك التي لا تدخل فيها، فالجرائم التي تدخل في النشاط العادي للأشخاص المعنوية يعتبر فيها الشخص المعنوي فاعلا أصليا وأعضاءه محرضون أو شركاء، أما الجرائم التي لا تدخل في النشاط العادي للشخص المعنوي، كالقتل مثلا فان أعضاء الجماعة يكونون هم الفاعلين الأصليين.

ثانيا: المسؤولية الجنائية للشخص الطبيعي في مجال الأعمال

ينص الفصل 133 من القانون الجنائي على أن الجنايات والجنح التي يعاقب عليها إلا إذا ارتكب عمدا...

إذن فمن خلال قراءة متأنية لهذا النص نجده عاقب على الجنايات إذا ارتكبت عمدا والجنح حتى إذا كانت تخضع إلى نفس الحكم فإنه استثناءا يمكن أن يعاقب عمليا إذا ارتكبت بالخطأ وهذا الاستثناء يشكل القاعدة الأصل بالنسبة للمخالفات حيث يعاقب عليها متى ارتكبت بالخطأ لذلك فأغلب جرائم الأعمال يفترض فيها الخطأ وهو ما يثير المسؤولية الجنائية المفترضة باعتبار أن أساس هذه المسؤولية كما عليه الحالة في القواعد العامة للمسؤولية الجنائية وهو الخطأ الذي يكون مفترضا ويدل عليه الفعل المادي المرتكب، والمتمثل في عدم أخذ الحيطة والحذر الذي يقتضيه ومنصبه الواجب القانوني[9].

الفقرة الثانية: طبيعة المسؤولية الجنائية في مجال الأعمال

يعتبر الاسناد الشخصي للمسؤولية الجنائية تجسيدا لمبدأ شخصية العقوبة ومن تم شخصية المسؤولة المعمول به في القانون الجنائي،[10] على اعتبار ان الشخص المدان هو المتحمل الوحيد للعقاب، وأنه يمكن تقبل الإدانة الناتجة عن الجريمة المقترفة من طرف الغير، فان المسؤولية الجنائية عن فعل الغير تعتبر الاستثناء البارز لهذا المبدأ وما في ذلك من تأثير على مبدأ شخصية العقوبة وتوسعها لنطاق المسؤولية الجنائية للأعمال نظرا لامتدادها الى أشخاص أبرياء لم يرتكبوا أي فعل اجرامي بصفة شخصية، لكن تم ذلك عن فعل غيرهم ويصبحون بطريقة او بأخرى مسؤولين عن هذه الأفعال الاجرامية.

أولا: المسؤولية الجنائية المباشرة

لقد ارتبط وجود المسؤولية أساسا ومنذ القدم بالشخص الطبيعي الذي له إرادة تجعله أهلا لتحمل المسؤولية الجنائية، على إعتبار أن الجريمة فعل شنيع يرتكبه المجرم عن بينة واختيار وإدراك كاف، يجعله يقوم بالفعل المادي المكون للجريمة.

ومن البداهة أنه كلما ازدادت أهمية شيء ما اقتضت الحكمة زيادة الالمام به، لزيادة استخدامه فيما اعد له، ما نظرنا الى اسناد المسؤولية الجنائية الى غير مرتكب الفعل الاجرامي شخصيا وجدنا ما يثير الاستغراب والدهشة نظرا لتعارضها مع اهم مبدأ في القانون الجنائي الذي يقضي بأن الشخص لا يسأل إلا عن الأفعال التي ارتكبها شخصيا، لذلك علينا الاقتراب من هذه الحالة وزيادة الالمام بها للوقوف على مدى الاعتداء بها ووضعها في مكانها الذي اعدت من اجله.

واذا كان إقرار المسؤولية الجنائية في حق الشخص الطبيعي يعتبر من الأمور الطبيعية اذا ثبتت في حقه خطأ يتمثل في اقترافه لفعل يجرمه القانون، بحيث يقوم تقرير الجزاء الجنائي بتحمله تبعة عمله المجرم وخضوعه للجزاءات المقررة قانونيا، فان المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي لم تقرر في عديد من التشريعات بشكل مبدئي الا بعد كفاح طويل ضد المفاهيم التقليدية، خاصة عند انتشار تورطهم في اقتراف أخطر الجرائم وخاصة المالية منها، باعتبار الشخص المعنوي كائن حقيقي وله إرادة كاملة يستطيع التعبير عنها بكل الوسائل وما ينتج عنه من القيام او الامتناع عن القيام بأفعال، وعليه باتت المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي أمرا محتوم وواقع تقتضيه المعطيات الجديدة خاصة مع تطور وظيفة الدولة في المجتمع السياسي[11].

ثانيا: المسؤولية الجنائية عن فعل الغير

عرفت فكرة المسؤولية الجنائية عن فعل الغير انتشارا واسعا في ميدان الاعمال والمقاولات، نظرا لما تسببه الجرائم المرتبطة في هذا الاطار من خطورة و اضطراب في مختلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسة، الشيء الذي يقتضي انزال العقاب على المرتكب المادي للجريمة وعلى من كانت له مصلحة في ارتكاب هذه الاجرام.[12]

الأصل في المسؤولية الجنائية، أنها شخصية فلا يتم إيقاع الجزاء إلا على المرتكب الفعلي لجريمة أو المساهم أو المشارك فيها، وهذا أحد أهم مبادئ المسؤولية الجنائية.

غير أن المشرع المغربي أورد استثناءا من هذه القاعدة بالمسؤولية عن فعل الغير، بمقتضى نصوص خاصة، ويجد هذا الاستثناء مجاله بحدة في جرائم الأعمال، ونذكر في هذا الإطار بعض المبررات التي جاء بها الفقه في هذا الإطار:

- حماية تنفيذ قوانين الأعمال؛

- اتساع نطاق التجريم؛

- خطورة جرائم الأعمال؛

- خصوصيات الركن المعنوي في جرائم الأعمال.

ومن تطبيقات المسؤولية عن فعل الغير في قوانين الأعمال سنحاول التركيز على القانون الجمركي كأحد قوانين الأعمال.

فبالرجوع إلى الفصل 229 من القانون الجمركي الذي ينص على أنه:

"يعتبر الأشخاص الآتي ذكرهم مسؤولين مدنيا عن فعل الغير فيما يخص الرسوم والمكوس والمصادرات والغرامات والمصاريف:

-        الأشخاص المبينون في الفصل 85 من قانون الالتزامات والعقود؛

-        مالكو البضائع عن فعل مستخدميهم؛

-        مالكو وسائل النقل عن فعل مستخدميهم، إلا إذا أثبتت المسؤولية الشخصية للمستخدم المكلف بالسياقة."

فالجدير بالإشارة ان مبدأ المسؤولية عن فعل الغير المعمول به منذ القديم في القانون المدني[13]لا يطبق مبدئيا في القانون الجنائي وذلك عملا بالقاعدة التي تقضي بأن المسؤولية الجنائية لا يمكن أن تنتج إلا عن الفعل الشخصي[14].

وأمام عدم إقرار الصريح من المشرع الجنائي المغربي على تنظيم قانوني لقواعد المسؤولية الجنائية عن فعل الغير ضمن القواعد العامة للقانون الجنائي، فان مجموعة من القوانين الجنائية الخاصة في ميدان الاعمال احتضنت هذا النوع من المسؤولية، وانتشرت فيها بشكل واسع الى حد يمكن اعتبار ان هذه القاعدة قد أصبحت اصلية في هذا الميدان.

 وفي الأخير فإن المسؤولية الجنائية عن فعل الغير تعتبر من الخصوصيات التي تميز المسؤولية في القانون الجمركي، لأنها تشكل خروجا عن المبادئ العامة للقانون الجنائي، بإسناد الجريمة لغير فاعلها، وهذه الخصوصيات في المسؤولية لا تقتصر على المسؤولية الجنائية عن فعل الغير، بل تتجاوزها إلى المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي.

المطلب الثاني: الاتجاهات الفقهية والتشريعية حول المسؤولية الجنائية في مجال الأعمال

يعود الاختلاف بين المدرستين حول مدى إمكانية مساءلة الشخص المعنوي جنائيا لأسباب تاريخية وفلسفية، فالمدرسة التقليدية تنكر بشدة إمكانية مساءلة الشخص المعنوي جنائيا عن الجرائم التي ترتكب من طرفه باعتبار أن المسؤول عنها هو الشخص الطبيعي المرتكب لأركان الجريمة، في حين المدرسة الحديثة نظرا لتطور العلاقات الاقتصادية وما صاحبها من تزايد في النشاط والتعامل التجاري، وبعد أن كان الاقتصاد يقوم على النشاط الفردي للأشخاص الطبيعيين، أصبح في الحاضر يرتكز على تجمع الأفراد والثروات في شكل شركات ومؤسسات عابرة للقارات بأموال ضخمة، وهذا ما أدى الى تعاظم دور الأشخاص المعنوية في مجال الإنتاج والتوزيع والاستيراد وظهور العديد من الجرائم الاقتصادية التي اضطرت بمصالح المجتمع تفوق في خطورتها تلك الأضرار الناجمة عن جرائم الأشخاص الطبيعية مما يستوجب إقرار المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي[15]، وهو ما تذهب إليه هذه المدرسة الحديثة المتشبعة بالفلسفة البرغماتية والاقتصاد الرأسمال، وتستند كل مدرسة على حدة على عدة أسباب.

الفقرة الأولى: الإختلاف بين المدارس الفقهية

وقع جدل فقهي حول المسؤولية الجزائية للأشخاص المعنوية فهناك من نفى إمكانية مساءلة الشخص المعنوي، وهناك من اقر على إقامة المسؤولية الجزائية للأشخاص المعنوية.

أولا: الاتجاه الفقهي المنكر للمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي

تستند هذه المدرسة على عدة أسباب ترى فيها عدم صلاحية الشخص المعنوي لتحمل المسؤولية الجنائية:

§    طبيعة الشخص المعنوي تجعل من المستحيل إسناد الجريمة إليه حيث أن الشخصية المعنوية مجرد افتراض قانوني من صنع المشرع اقتضته الضروريات العملية لكي يتمكن الشخص المعنوي من أن يتملك الأموال ويتعاقد ويكون محال للمسؤولية المدنية عن الأضرار التي يسببها للغير وأن هذا الافتراض الذي يمتد على نطاق المسؤولية الجنائية لان القانون الجنائي لا يقوم إلا على الحقيقة[16]. كما أن القانون الجنائي في ذلك الوقت كان خال من النصوص المتعمقة بالمسؤولية الجنائية للأشخاص المعنويين بل ينص فقط على تلك المتعمقة بالأشخاص الطبيعيين ماعدا حالة وجود نص خاص[17]، وهذا السبب قد أخذت به محكمة النقض الفرنسية في حكم لها أصبح في ما بعد قاعدة قضائية لعدة أحكام قضائية أخرى "الغرامة عقوبة وكل عقوبة شخصية إلا في حالات استثنائية منصوص عليها قانونا، وبالتالي لا يمكن أن تطبق على شخص معنوي، الذي لا يمكن أن يساءل إلا مدنيا"[18]؛

§    عدم توفر الشخص المعنوي على الإرادة والإدراك اللذان هما الأساس لقيام المسؤولية الجنائية ويتبع فالشخص الطبيعي وحده هو الذي يتوفر عليهما وبذلك فلا يمكن إسناد الجريمة الى الشخص المعنوي لان الإرادة هي مصدر السلوك الإجرامي باعتباره الركن المادي للجريمة هي نفسيا المتطلب توجيهها لقيام الركن المعنوي سواء أكان في صورة القصد الجنائي أو الخطأ الغير العمدي[19] لذلك نادى الفقيه "سافيني" SAVIGNY في دراسة قدمها للمؤتمر الثاني لقانون العقوبات المنعقد في بوخارست سنة1991، بأنه لا يمكن قبول إسناد الجريمة إلى الشخص المعنوي لكونها تتطلب ركنا معنويا يتمثل في القصد أو الخطأ وهما أمران لا يتوفران لدى هذا الشخص المعنوي[20].

§    تعارض المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي مع مبدأ شخصية العقوبة حيث يؤكد فقهاء المدرسة التقليدية أن الاعتراف بالمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي يؤدي إلى إهدار قاعدة شخصية العقوبة. وهي إحدى الضمانات الأساسية في القانون الجنائي.

ومفادها ضرورة قصر أثر العقوبة على من ارتكب الجريمة وحده دون غيره فالمسؤولية الجنائية تستلزم لقيامها خطأ شخصيا يسند لصاحبه وبحكم أن الشخص المعنوي ضرب من الخيال، فإنه من الناحية القانونية لا يمكن إسناد الخطأ إليه، لأنه غير قادر على ارتكاب الجريمة بنفسه. فتوقيع العقاب عليه يكون مستحيلا، لأن الجرائم شخصية ولا يوجد ضامنين فيها، كما أن تطبيق العقوبة على الشخص المعنوي من شأنه المساس بمصالح جميع الأشخاص الطبيعيين المكونين له أو العاملين لديه رغم أن أغلبية لم يساهموا في ارتكاب الجريمة بأي شكل من الأشكال[21]؛

§    تعارض المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي مع مبدأ التخصيص وذلك أن وجود القانوني للشخص المعنوي محدد بتحقيق الغرض الاجتماعي الذي أنشأ من أجله وفي حدوده، وهو ما يعرف بمبدأ التخصيص، والجريمة باعتبارها سلوك مخالف للقواعد القانونية تتنافى مع مبدأ التخصيص فإذا تجاوز الشخص المعنوي حدود الغرض الذي أنشأ من أجله وارتكب جريمة ما، فإن شخصيته المعنوية تسقط وتنعدم ولا تعود لها وجود من الناحية القانونية، فكيف يستقيم القول بعد انعدام الشخص المعنوي مساءلته جنائيا؛[22]

§    استحالة تطبيق أغلب العقوبات على الشخص المعنوي كالعقوبات البدنية والعقوبات السالبة للحرية.

ثانيا: الاتجاه الفقهي المؤيد للمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي

يستند الاتجاه الفقهي الحديث الذي يؤيد المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي، من طبيعة الحياة المتطورة، والعلاقات الاقتصادية المتشابكة، التي أدت إلى ظهور الأعداد الكبيرة من الأشخاص المعنوية وكبر حجمها وسعة امتدادها الإقليمي وقدراتها الضخمة وركز هذا الاتجاه على استبعاد جميع الحجج التي ساقها الاتجاه التقليدي، على أساس أنها أصبحت قديمة غير متناسبة مع طبيعة الحياة المعاصرة، فاتخذ أسلوب الرد علميا بنفيها وتقرير ما يغايرها.

أولا: الشخص المعنوي حقيقي لو كامل الإرادة والإدراك بحيث أن فقهاء هذه المدرسة يؤكدون أن الشخص المعنوي وجوده حقيقي وليس مجرد افتراض وهو الموقف الذي أخذ به المشرع المغربي كما سنرى في الفقرة الثانية بحيث أن الشخص المعنوي يتمتع بكيان مستقل عن أعضائه، كما أن إرادته تختلف عن إرادة أعضائه، فهي حقيقة قانونية ويشكل وجود واقعي مادي على أرض الواقع ويتمتع بالأهلية القانونية الكاملة، كما أن له شخصيته القانونية وذمته المالية المستقلة عن الاعضاء المكونين له، بل إن مصالحه قد تتعارض مع مصالح أعضائه، وتعد الإرادة الجماعية مصدرا لمقصد الجنائي ولهذا فإنه من الضروري مساءلة الشخص المعنوي جنائيا باعتباره حقيقة وليس افتراض و كذا باعتباره يتوفر على إرادة حرة وادراك فعلي ينشأ من تلاقي إرادات أعضائه وبالتالي فإن العنصر النفسي للجريمة متحقق، فهي إرادة جنائية خاصة به منفصلة عن إرادة أعضائه[23].

يذهب بعض أنصار هذا الاتجاه في الفقه العربي إلى القول إن لبنات الشخصية القانونية لمفرد هي إرادته وليس جسده أو روحه.

 فالإرادة هي وحدها التي يعتمدها القانون ليكسب بها حقوقا ويفرض التزامات ويضيف هذا الفقه أن الشخص المعنوي شخص حقيقي ولكنه غير مجسم. يتمتع بإرادة ذاتية كما يتمتع بها الإنسان الآدمي سواء بسواء.[24]

ثانيا: عدم تعارض مساءلة الشخص المعنوي مع مبدأ شخصية العقوبة وذلك لأن امتداد أثار العقوبة بصفة غير مباشرة الى جميع أعضاء الشخص المعنوي غير المعنيين بجريمة، لا يعني معاقبتهم على فعل لم يرتكبوه بل إن ذلك لا يعدوا أن يكون أثرا للعقاب يمكن أن يصدق على الشخص الطبيعي نفسه، حيث يمكن أن يطال أثر عقوبة الغرامة مثال أسرة المحكوم عليه.[25]

الفقرة الثانية: الخلاف التشريعي حول المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي

اجتمعت التشريعات في تبني المدرسة الحديثة وكلها تقر بمسائلة للشخص المعنوي جنائيا رغم اختلافها من حيث نطاق المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي وأهم هذه التشريعات نجد:

أولا: التشريعات المنكرة للمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي

تتبنى هذه التشريعات مواقف المدرسة التقليدية ومنها التشريع الألماني حيث أن في حالة ارتكاب جريمة في نطاق أعمال الشخص المعنوي فيسأل عنها الشخص الطبيعي الذي تصرف كممثل له والمسؤولية هنا شخصية، والمشرع الألماني أنشأ سنة 1991 مجموعة من الجرائم الإدارية والشخص المعنوي في حال ارتكابها لا يعتبر مسؤولا جنائيا بل لها طابع إداري، رغم أن الجزاء المفروض هو الغرامة.

  وهناك أيضا التشريع الإيطالي الذي يساءل الشخص المعنوي مدنيا لكن لا يسائله جنائيا ويعتبره مسؤولا بالتضامن عن دفع الغرامة المفروضة على الشخص الطبيعي الذي ارتكب الجريمة لمصلحة ذلك الشخص المعنوي وذلك عندما يكون المحكوم عليه معسرا.[26]

ثانيا: التشريعات المؤيدة للمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي

تختلف هذه التشريعات من حيث نطاق المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي لكن ما يجمعها هو أنها تبنت المدرسة الحديثة وكلها تقر بمسائلة للشخص المعنوي جنائيا وأهم هذه التشريعات نجد:

Ø التشريع الانجليزي وهو أقدم التشريعات التي أقرت المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي و الأخذ بهذا المبدأ يعتبر في الأصل من صنع القضاء الانجليزي وقد ميز بين صورتين للمسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية الصورة الأولى: تتعمق بالمسؤولية المادية بدون خطأ وهي التي يكفي لقيامها مجرد تحقق الركن المادي دون الركن المعنوي ومن بين هذه الجرائم في القانون العام والتي أقرها القضاء الجنائي الانجليزي جرائم ازعاج النظام العام والأعمال الماسة بالراحة والصحة العامة وتعرض الأمن العام للخطر، أما الجرائم التنظيمية فهناك جريمة لوائح إشهار بيع المشروبات الكحولية الفاسدة وجرائم التلوث الصادر من المصانع والشركات؛

Ø الصورة الثانية: وهي المسؤولية الجنائية المبنية على الخطأ الشخصي الذي يتطلب توافر الركن المعنوي لدى الجاني وهي صورة تقوم على أساس مبدأ التطابق الذي يفيد أن الشخص الطبيعي الذي يتصرف لحساب الشركة فإرادته هي إرادة الشركة وأفعاله هي أفعالها فهو يجسد الشركة وعليه فمعاقبة الشخص المعنوي ال تحول دون  معاقبة الشخص الطبيعي الذي ارتكب الجريمة.

ثالثا: موقف المشرع والعمل القضائي المغربي

منذ الحماية إلى غاية صدور القانون الجنائي لسنة 1962 كان المغرب يتبنى موقف المدرسة التقليدية بعدم مسائلة الشخص المعنوي جنائيا، لكن بعد صدور القانون الجنائي لسنة 1962 أقر صراحة المسؤولية الجنائية لمشخص المعنوي وذلك من خلال الفصل 127 الذي ينص على أن "لا يمكن أن يحكم على الأشخاص المعنوية إلا بالعقوبات المالية والعقوبات الإضافية الواردة في الأرقام 5 و6 و7 من الفصل 36 .

وعلى هذا الأساس نشب خالف فقهي بين من يرى أن نعم القانون المغربي فعال يسائل الشخص المعنوي جنائيا ولكن هي مجرد استثناء فقط لا يجوز معه مسائلة الشخص المعنوي إلا بصورة استثنائية وهناك اتجاه فقهي يؤكد أن الفصل وضع مبدأ عام للمساءلة الأشخاص المعنوية جنائيا[27]، و أشار المشرع المغربي في القانون رقم 01.02 المتعلق بالمسطرة الجنائية الصادر بتنفيذ الظهير الشريف رقم 1 -02 -255 بتاريخ 3 أكتوبر 2002  في بابه السادس من المادة 678 الى المادة 686 والهدف منه جمع المعلومات المتعلقة بالعقوبات أو التدابير الصادرة في حق الأشخاص المعنوية أو في حق الأشخاص الذاتيين المسيرين لها .

المبحث الثاني: القواعد المسطرية للمسؤولية الجنائية في جرائم الأعمال

يعرف المغرب مجموعة من التحولات في شتى مناحي الحياة سواء منها الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية، وفي المنظومة القانونية، هذه الأخيرة عرفت بدورها عدة تعديلات من خلال تغيير قوانين برمتها أو إدخال تعديلات جزئية على الأخرى رغبة من المشرع في مواكبة المستجدات التي حدثت أو التي سوف تحدث في المستقبل، وكذا لسد النواقص التي قد تعتري هذه القوانين أملا في حماية المصالح التي تكون الأجدر بالحماية لارتباطها إما بفئة من المجتمع وإما لكون تلك النصوص أصبحت غير كافية لمواكبة التطورات المتسارعة.[28]

المطلب الأول: البحث وتحريك المتابعة في جرائم الأعمال

إن مناط المسؤولية الجنائية في ميدان الأعمال لمسير المقاولة هو الخطأ الشخصي للمسير، والذي يقع عليه واجب السهر على الحفاظ على القوانين والأنظمة داخل المقاولة التي يسيرها.

وتثير المسؤولية الجنائية "هلع المقاولين" بالنظر لحجم المخالفات التي تتضمنها بعض النصوص كالقانون المتعلق بالشركات مثلا، وذلك بالنظر لما تتميز به المسؤولية الجنائية في ميدان الأعمال من مميزات، خاصة بالنسبة للمسؤولية الجنائية للأشخاص الاعتباريين، التي لازالت محل تردد من طرف الفقه والقضاء في المغرب، حيث أصدر القضاء قرارات محدودة في هذا الباب خاصة في ميدان الشيكات والجمارك  والغش. [29]

وتثير مسؤولية الأشخاص الاعتبارية في ميدان الأعمال نقاشا متميزا، إذ باعتبار المقاولة مركز التقاء عدة فاعلين، فإن لكل منهم دورا في اقتراف الفعل الجرمي. ومن خلال تسلسل السببية الحقيقية أو المحتملة بينهم، يظهر أن هناك خاصية في إسناد المسؤولية الجنائية في ميدان الأعمال، مما يلقي بظلاله على نظرية الشريك الجنائي، خاصة في ميدان التهرب الضريبي والجمارك والشركات، حيث تتم متابعة الشريك أحيانا بمثابة الفاعل الرئيسي، ويتم تمديد المسؤولية إلى رئيس المقاولة أو مسيريها تبعا لمسؤوليتهم عن فعل الغير التابع لهم، رغم أن المسؤولية الجنائية تتميز أصلا بطابعها الشخصي، هذا فضلا عن كون المسير الفعلي يتحمل المسؤولية الجنائية. [30]

الفقرة الأولى: البحث والتحري في جرائم الأعمال

تحرك الدعوى العمومية في جرائم الأعمال بمحضر من الإدارة المختصة، فقد تكون من إدارة الجمارك أو مفتشية الشغل وغيرها من الإدارات، و تحرك الدعوى العمومية في جرائم الأعمال إما لدى النيابة العامة لدى المحاكم التجارية أو النيابة العامة لدى المحاكم العادية.

ويمكن تحديد أنواع المحاضر بناء على الجهة التي حررتها، فهناك المحاضر الجمركية، وهناك محاضر الزجر عن الغش في البضائع، وهناك التقارير التي تبعث بها الهيئة المغربية لمراقبة الرساميل وغيرها، بالإضافة إلى هذا التقسيم للمحاضر هناك المعاينة، محاضر الحجز، ومحاضر التفتيش. [31]

الفقرة الثانية : تحريك المتابعة في جرائم الأعم

تعالج النيابة العامة لدى المحاكم العادية الملفات المحالة عليها بخصوص الجرائم العادية، وتقوم بنفس الفعل بخصوص الملفات المتعلقة بالجرائم الاقتصادية أو جرائم الأموال، فنفس قضاة النيابة العامة الذين يقومون بالإشراف على البحث التمهيدي للجرائم الأخرى يقومون بالمتابعة والإشراف على البحث التمهيدي المتعلق بالجرائم الاقتصادية. [32]

أما بالنسبة جل الاختصاصات المخولة للنيابة العامة لدى المحاكم التجارية انصبت على الجوانب المدنية والتجارية، المتعلق بتطبيق قانون الأعمال بمفهومه العام مع احترام الاختصاص النوعي للمحاكم التجارية كما تضمنته المادة 5 من القانون المحدث للمحاكم التجارية بالمغرب، فالملاحظ أن التطبيق القانوني للنصوص الجنائية المتعلقة بمجال الأعمال، تبقى من اختصاص النيابة العامة لدى المحاكم العادية، ونقصد هنا المحاكم الابتدائية وكذلك محاكم الاستئناف. [33]

المطلب الثاني: الإثبات والجزاء في جرائم الأعمال

يعتبر الدليل الكتابي من أهم وسائل الإثبات حيث نظمت أحكامها مختلف التشريعات، ويتمثل هذا الدليل في الأوراق والمحررات والتي تكون على شكلين إما أنها تمثل جسم الجريمة أو أنها مجرد دليل من أدلة الدعوى.[34]

ويقصد بالوسائل المكتوبة المتمثلة لجسم الجريمة تلك الأوراق والمحررات التي تدل على وقوع الجريمة، أو بمعنى آخر هي الجريمة نفسها، مثل الورقة المزورة أو العقد المزور أو وسائل التهديد والابتزاز الموجهة إلى شخص ما، فهذه الأوراق تدل على وقوع الجريمة وبانتفائها تختفي الجريمة، فكيف يمكن أن نقول بأن هناك تزوير دون وجود ورقة ومحرر مزور أو عقد مزور.

أما الأوراق والمحررات التي تكون مجرد دليل على وقوع الجريمة، فيمكن أن تكون الأوراق الصادرة عن المتهم أو عن الغير والتي تكتب على شكل رسائل مثلا من أجل التهديد أو القذف أو رسائل موجهة إلى شخص ما تتضمن الاعتراف بارتكاب الجريمة من طرف المرسل أو من طرف أشخاص يعملون تحت إمرته أو متواطئين معه مساهمين كانوا أو مشاركين، وكذلك المذكرات التي يقوم بكتابتها، وتتضمن ارتكاب جريمة معينة أو ارتكاب عمل تحضيري لها.

وعليه، فإن هذه المحاضر تتميز عن المحررات التي يصدرها الموظف العمومي الذي لم يعهد له بالتثبت من الجرائم من حيث القيمة الإثباتية، فإن كانت هذه المحررات تخضع لقاعدة الاقتناع الوجداني للقضاء الجنائي، فإن للمحاضر والتقارير الصادرة عن الموظف العمومي المكلف بالتثبت من الجرائم قد منحت قيمة خاصة في الإثبات، فتكون هذه المحاضر والتقارير، إما لا يجوز مخالفتها إلا بادعاء الزور فيها أو يصدق ما جاء فيها إلى أن يثبت عكس ما تضمنته.

الفقرة الأولى: الإثبات والقيود الواردة على حريته في جرائم الأعمال

يتجلى الدور الإيجابي الذي يقوم به القاضي للوصول إلى الحقيقة والوسائل التي يعتمد عليها من أجل تحقيق العدالة التي تعتبر أسمي الغايات ولا سبيل لإدراكها إلا عبر وسيلة البحث عليها بالقانون باعتباره وسيلة للمجتمع لإقرارها. 

لقد نظم المشرع المغربي وسائل الإثبات في المواد من 286 إلى 296 من قانون المسطرة الجنائية، إذ نجد أن المشرع المغربي لم يعرف الإثبات لا في القانون المدني ولا في القانون الجنائي. [35]

لكن يمكن تعريفه بأنه " إقامة الدليل على أن المتهم ارتكب الفعل المنسوب إليه" وهكذا ففي الميدان المدني فان وسائل الإثبات تهيأ قبل إثارة الدعوى عكس ما عليه الحال في الميدان الزجري ذلك أن الأدلة في الميدان الزجري تختلف عن الأدلة في الميدان المدني.

ويتميز الإثبات في جرائم الأعمال بكونه لا يستثني اي وسيلة من وسائل الإثبات المتعارف عليها في نظام الإثبات الجنائي العام التقليدية.

إلا انه من الصعب إثبات هذا النوع من الجرائم – جرائم الاعمال – ذلك أنها تختلف عن الجرائم العادية كونها ترتكب بذكاء من طرف شخص -مجرم- يتميز بالذكاء والفطنة ولطبيعة اغلب هذه الجرائم والتي تتم من خلال الأنترنيت أو الحاسب الآلي أي في مجال المعلومات الرقمية وهذا النوع من الجرائم يصعب فيها الاعتماد على الاعتراف كدليل أو شهادة شهود. [36]

الفقرة الثانية: الجزاء في جرائم الأعمال

تتميز طبيعة العقوبات الصادرة في ميدان الاعمال بكونها تتنوع الى عدة أصناف:

-        الغرامات المفروضة من قبل الإدارة،

-        الغرامات المحكوم بها من طرف المحاكم المدنية او المحاكم الزجرية.

-        العقوبات الحبسية بالنسبة للأشخاص الذاتين.

-        العقوبات المناسبة لوضعية الشخص الاعتباري.

الى جانب العقوبات الأصلية المذكورة فإن هناك عقوبات إضافية مثل المنع من مزاولة النشاط، اغلاق المؤسسة، الاقصاء من الصفقات العمومية، المصادرة واشهار العقوبة مع الاعتداد بمسألة العود لتشديد العقوبة.

 

 

 

خاتمة:

يعتبر مفهوم المسؤولية الجنائية في مجال الأعمال مفهوم واسع وشائك يعتريه غموض، كما يتبين لنا من حيث خصوصياته أن النصوص القانونية المتعلقة به تتضمن مزايا تميزه وتتماشى مع طبيعة مجال المال والأعمال، الشيء الذي يؤدي الى كبح الانحراف الاقتصادي المهيمن في مجال الأعمال.

وعلى الرغم من كون غاية المشرع هو الضرب على أيدي أشخاص القانون الاقتصادي بالقوة، بشكل يسمح بالحد من ممارساتهم وأفعالهم المهددة لميدان الأعمال، مع سد الفراغ الحاصل في الجرائم المرتكبة أثناء تداول الثروة والمال التي ظلت بعيدة عن المساءلة لمدة طويلة، بموازاة الحرص على اشعار رجال الأعمال الفاسدين بأنهم غير معفيين من الملاحقة الجنائية، فإن المقتضيات المتعلقة بالمسؤولية الجنائية لقانون للأعمال يعتريها نوع المحدودية وعدم الفاعلية في محاربة الانحراف الاقتصادي لأنها مرتبطة بالخيارات التشريعية في المجال الجنائي للأعمال، الشيء الذي أدى بنا الى ابداء مجموعة من النتائج التي يمكن تلخيصها في ما يلي :

-        عدم فعالية القانون الجنائي للأعمال بسبب ظاهرة تضخم نصوصه؛

-        اهدار فعالية نصوص القانون الجنائي للأعمال عن طريق آلية التفويض التشريعي؛

-        افشال العقوبة الجنائية في مجال الأعمال من خلال آلية الصلح حيث يستهدف الدعوى العمومية بإسقاطها الشيء الذي يؤدي الى تعطيل انفاذ الجزارات الجنائية.

 



[1]  فاطمة الديب، القانون الجنائي للأعمال، خصوصياته وتطبيقاته، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، السنة الدراسية 2007/2008 ص1.

[2] Mireille Delmas MAARTY, droit pénale des affaires, « partie générale pénale », tome 1,3 édition, P.U.F, paris 1990, p 3.

[3]  محمد داود يعقوب، المسؤولية في القانون الجنائي الاقتصادي، دراسة مقارنة بين القوانين العربية والقانون الفرنسي، ط الأولى، مطبعة الأوائل للنشر والتوزيع، دمشق، 2001، ص 21.

[4]  شاكر العاني، المجرم والقانون الجنائي، مجلة رابطة القضاة، ع الثاني والثالث 1966 ص 35.

[5]  مريم أكري، إشكالية تحديد المسؤولية الجنائية في محيط الشركات التجارية، بحث لنيل دبلوم الماستر في شعبة القانون الخاص، ماستر القانون المدني والاعمال، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، طنجة، السنة الدراسية 20172016، ص39.

[6]  الخطأ المفترض، إما أن يفترضه القضاء في الحالات التي تقتضي طبيعة بعض الجرائم ذلك في نطاق إثبات ركنها المعنوي، وإما أن يكون المشرع هو الجهة التي تقيم هذه القرينة، وفي الحالتين يترتب عليه الإعفاء من إقامة الدليل على ثبوت الخطأ بجانب الشخص المسؤول، مما يؤدي إلى القول بأن واقع الخطأ المفترض هو أن الافتراض يجب أن يقتصر دوره على نقل عبء الإثبات من الجهة المختصة أصلا إلى المتهم الذي عليه حينئذ أن ينفي ثبوت الخطأ في جانبه إن سمح القانون بذلك.

[7]  هذا الاتجاه الذي ميز بين رئيين، الرأي الأول: جاء فيه ان القانون الروماني عرف المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية، وذلك من خلال تمييز هذا القانون بين الجماعة والعضو فيها، اذ تم الاعتراف مثلا بالشخصية المعنوية للجماعات ذات الصفة التجارية والكنائس وغيرها، اما الرأي الثاني فقد نفي وجود المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية في القانون الروماني فرغم انع عرف نظرية الشخصية المعنوية الا انه لم يعترف بمسؤوليتها الجنائية لمزيد من التفاصيل.

محمود سليمان موسى، المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي في القانون الليبي والاجنبي، ط الأولى، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والاعلان، 1985، ص 343536.

[8]  علما انه في الوقت الحاضر يشترط الفقه ضرورة ان يكون النشاط الذي يسبب الجرم داخل في اختصاص الشخص المعنوي لتحميله المسؤولية الجنائية، اذ يصنفه الفقه الفرنسي على انه شرط موضوعي.

[9]  محمد العلمي، المسؤولية للأشخاص المعنوية، رسالة لنيل الدراسات العليا في القانون الخاص بجامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، سنة 19921999، ص 294.

[10]  من المبادئ الهامة المعمول بها في القانون الجنائي العام ان المسؤولية الجنائية لا يمكن ان تنزل الا بالمذنب لا بأهله ولا بغير أهله، ولقد توصل الفكر الإنساني الى هذا المبدأ بعد صراع طويل مع ظلم الانسان حينما كان العقاب يلصق بالجنائي .

[11]  جدي وفاء، المسؤولية الجزائية للشخص الاعتباري بين العقاب والاعفاء في القانون الجزائري، مجلة الأبحاث والدراسات القانونية، ع الرابع، 2014، ص94.

[12] يوسف المدني، جرائم الصرف في التشريع الجنائي المغربي – دراسة مقارنة – بحث لنيل دبلوم الماستر في القانون لخاص،جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية وجدة، السنة الجامعية 20112010.

[13]  يعتبر القانون المدني المكان الأصلي للأعمال فكرة المسؤولية عن فعل الغير وذلك من خلال المادة 85 من قانون الالتزامات والعقود التي جاء فيها ان: "الشخص لا يكون مسؤولا عن الضرر الذي يحدثه بفعله فحسب، لكن يكون مسؤولا أيضا عن الضرر الذي يحدثه الأشخاص الذين هم في عهدته ..."

[14] Murielle Delmas Marty. Op cit. P 78.

[15]  بلعسلي لويزة، المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي عن الجريمة الاقتصادية، أطروحة لنيل شهادة الدكتورة في العلوم القانونية، جامعة مولود معمري تيزي وزو، كلية الحقوق والعلوم السياسية، الجزائر، سنة 20142015، ص 13.

[16]  شريف سيد كمال، المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية، دراسة مقارنة، ط الأولى، دار النهضة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، 1997، ص 12

[17]  بلعسلي لويزة، م س، ص26

[18] L’amende est une peine et toute peine est personnelle sauf les exceptions spécialement prévues par la loi ; elle ne peut donc être prononcée contre un être moral, lequel ne peut encourir qu’une responsabilité civile.

[19]  شريف سيد كمال، م س، ص 16 و17.

[20]  بلعسلي لويزة، المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي عن الجريمة الاقتصادية، م س، ص19 .

[21]  بلعسلي لويزة، م س، ص 24.

[22]  عبد اللطيف بلو،  المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي على ضوء العمل القضائي،  بحث نهاية التمرين في المعهد العالي للقضاء، الفوج 36، سنة 20092011، ص 22.

[23] عبد اللطيف بلو، م س، ص29.

[24]  شريف سيد كمال، م س، ص23.

[25]  عبد اللطيف بلو، م س، ص 13

[26]  خالد الدك، المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي  دراسة مقارنة، مقال منشور على موقع وزارة العدلma.gov.justice.dala اطلع عليه يومه 22/04/2024 على الساعة 11:13.

[27] عبد اللطيف بلو، م س، ص14.

[28] مجلة العلوم الجنائية، ع الخامس والسادس، مطبعة الأمنية، الرباط، 2019، ص 5.

[29]  محمود داود يعقوب، المسؤولية في القانون الجنائي الاقتصادي، دراسة مقارنة بين القوانين العربية والقانون الفرنسي، ط الأولى، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت – لبنان، 2008 ، ص 218 .

[30]  حسين صلاح مصطفى عبد الجواد، المسؤولية الجنائية عن غسل الأموال، دراسة مقارنة بين القانون والشريعة، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة حلوان، القاهرة، 2007 ،ص 394 .

[31]  بوراس صالح، الجرائم الصرفية في التشريع التونسي والتشريع المقارن، بدون دار النشر، تونس، جوان 1997 ، ص 145

[32] علي عبد القادر القهوجي، قانون العقوبات، القسم العام، الكتاب الثاني، المسؤولية الجنائية والجزاء الجنائي، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 1998 ،ص 22.

[33]  محمود هشام محمد رياض، المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي، دراسة مقارنة، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، 2000 ،ص 77 .

[34] وسائل الإثبات والقيود الواردة على سلطة القاضي الجنائي في تقدير الأدلة، مجلة الوطن 24، بقلم مصطفى معتبر، الباحث في القانون الخاص كلية الحقوق طنجة.

[35]  GARE Thierry, GINESTET Catherine, Doit pénal, procédure pénale, édition Dalloz, Paris, 2008, p 303

[36]  إدوار غالي بطرس، المسؤولية الجنائية للأشخاص الاعتبارية، مجلة إدارة قضايا الحكومة، السنة الثانية، ع 4 ، أكتوبر – ديسمبر 1958 ،ص 49 .