واقع الاصلاح السياسي ودوره في الاستقرار السياسي في سلطنة عمان

 

واقع الاصلاح السياسي ودوره في الاستقرار السياسي في سلطنة عمان

The reality of political reform and its role in political stability in the Sultanate of Oman

مصعب بن سالم بن زايد الهنائي

باحث بسلك الدكتوراه

بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي- الرباط

ملخص: إن مسيرة الإصلاح السياسي والديمقراطية في سلطنة عمان تطورت من خلال تجربة وطنية عمانية لها خصوصيتها وتقاليدها ولها فكر ورؤية تستمدها من قيمها الإسلامية ومن تراثها العماني العريق وتأخذ بمعايير وأدوات العصر فعلى هدى من هذه المزاوجة كانت التجربة تكتسب الخبرة والمهارة ويتعاظم دورها من مرحلة إلى أخرى إلى أن أصبحت عمان يتوافر فيها اليوم برلمان وحياة نيابية فاعلة بالمفهوم العصري للممارسة الديمقراطية وفرا لها كل مقومات الشراكة الحقيقية في صناعة القرار بما يجعلها جديرة به.

Abstract :The process of political reform and democracy in the Sultanate of Oman has developed through an Omani national experience that has its own characteristics and traditions, and a thought and vision that it derives from its Islamic values ​​and its ancient Omani heritage, and adopts the standards and tools of the era. Guided by this combination, the experience has gained experience and skill, and its role has grown from one stage to another, until Oman today has a parliament and an effective parliamentary life in the modern concept of democratic practice, providing it with all the elements of true partnership in decision-making, making it worthy of it.

مقدمة

يعد مفهوم الاصلاح السياسي من المفاهيم الحديثة التي أثارت جدلا واسعا لدى الباحثين في دلالاتها وافتراضاتها وذلك لتعدد التعريفات التي تناولت هذا المفهوم أو حاولت الاقتراب منه والاتفاق على تعريف واحد محدد له. وتكمن أهمية هذا المصطلح في الوقت الحالي لأنه يتناول العديد من الأسس والمرتكزات المهمة التي تدفع المجتمعات البشرية نحو الرقي والتقدم، وتحقيق التنمية المستدامة، وتدعيم قدرات النظام السياسي، والمشاركة السياسية. وتعد عملية الاصلاح السياسي عملية معقدة ومتشعبة في مفهومها ودلالاتها النظرية والعملية وتتطلب تظافر الجهود الشعبية في الدولة لإنجاحها، فهي تقوم على افتراضات هدفها إحداث تغيير في أساليب النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية من أجل إلحاق الدول النامية، وسلطنة عمان واحدة منها، في ركب الدول المتقدمة، وبناء الدولة القوية، وتدعيم قدرات النظام السياسي والمشاركة السياسية من خلال التوزيع العادل للقيم السلطوية في المجتمع.

ويرى المتتبع لما يجري على الساحة العربية وخصوصا ما يسمى الربيع العربي، مجموعة من التحديات المتسارعة والمتمثلة في إحداث الإصلاحات السياسية التي هي عنصر من عناصر التنمية السياسية وإحداث التغيير العميق في شتى مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

ويمكن القول إن الاصلاح السياسي أضحى مطلبا رئيسا من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية، وهي عملية تحديث سياسي وتعبئة ومشاركة الجماهير في القرار السياسي، أي اهتمام المواطن بالشأن العام وهي كذلك بناء للديمقراطية من خلال إقامة المؤسسات الديمقراطية والإدارية الفعالة.

إن الأحداث المتسارعة سواء على المستوى الدولي المتمثل في سقوط الاتحاد السوفيتي 1991 وأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 واحتلال العراق 2003 وأخيرا ما يعرف بثورات الربيع العربي من تونس إلى مصر وليبيا واليمن ثم سوريا، كل ذلك ضغط على كثير من الدول العربية - ومنها سلطنة عمان - لإحداث تغيير وإصلاحات سياسية في بلدانها، لأنه لم يعد مقبولا إبقاء الجماهير خارج نطاق المشاركة السياسية أو اللعبة السياسية في بلدانها إذا رغبت هذه الدول في استقرار أوضاعها السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وتعزيز شرعيتها.

وحتى يتسنى ذلك لا بد من الحراك السياسي في المجتمعات العربية مع مراعاة خصوصية كل بلد على حدة، فعلى سبيل المثال عند تناول قضية الاصلاح السياسي ودورها في الاستقرار السياسي في سلطنة عمان موضوع الدراسة. يرى الباحث أن السلطنة كمجتمع قبلي محافظ حرص على الأخذ بهذه الخصوصية عند البدء في تنفيذ عمليات التنمية السياسية كالتحول الديمقراطي. ضمن هذا السياق عمل المشرع العماني، مثلا، على تقنين النظام الأساسي للدولة والأخذ بأحد أهم أحكام القانون العامة وهو أن دين الدولة الإسلام، والشريعة الإسلامية هي ثابت مقدس عند العمانيين، بحيث ضم هذا النظام سبعة أبواب تضم واحدا وثمانين مادة تشخص ركائز النظام السياسي العماني والإطار الذي يتحرك بموجبه الأداء العام للنشاطات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في سلطنة عمان.

وتطبيقا للرؤية العمانية قيادة ودولة بدأ الانفتاح السياسي والمشاركة السياسية للمواطن العماني متواضعا حيث تم إنشاء المجلس الاستشاري للدولة عام 1981م بناء على مرسوم سلطاني كان عدد الأعضاء فيه 45 عضوا عينهم السلطان بناء على التمثيل الجغرافي والمصالح الحكومية.

أما في تسعينات القرن الماضي فقد شهدت عمان سلسلة من الإصلاحات السياسية لتعزيز مفهوم الديمقراطية وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية وذلك بإنشاء مجلس شورى منتخب مباشرة من قبل مواطني سلطنة عمان. هذا وقد تم تخفيض سن الاقتراع من 30 سنة إلى 21 سنة. وفي سنة 1996 تمت كتابة أول دستور عماني أكدت النصوص القانونية فيه على الحرية والمساواة بين المواطنين المادة 18، 20 أما المواد 28، 29 من الدستور فأكدت حرية التعبير والصحافة. هذا وقد توالت الانتخابات وعمليات الإصلاح السياسي والسماح بتشكيل الجمعيات الأهلية والنقابات المهنية والاتحادات العمالية وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني كظاهرة من ظواهر التنمية السياسية.

بناء عليه جاءت هذه الدراسة للتركيز على تطور مفهوم التنمية السياسية في سلطنة عمان وأثر ذلك على الاستقرار السياسي للفترة 1981-2012.

المطلب الأول: آليات التفاعل بين المشاركة السياسية والتنمية السياسية

يختلف مستوى تأثير المشاركة السياسية من مجتمع لآخر، وذلك حسب إيمان أفـــراد المجتمع بها وبجدواها ومدى الثقة المتوفرة بينهم وبين الحكام، ومدى ما يتوفر لأفراد هـذا المجتمع من وعي بحقوقهم وواجباتهم. كما أن مستوى هذا التأثير يختلف ليس فقط باختلاف المجتمعات وإنما باختلاف الأنظمة السياسية من كونها تتمتع بالشرعية والديمقراطية وتعمل جاهدة على تحقيق التنمية، فعملية المشاركة السياسية هي عملية نسبية تختلف باختلاف الأنظمة السياسية والأفكار والقيم التي يحملها أفراد المجتمعات. لذلك سيتناول هذا المطلب أهم آليات التفاعل بين المشاركة السياسية والتنمية السياسية، وهذه الآليات هي: الشرعية والتنمية والديمقراطية.

1- الشرعية

عرف ماكس فيبر الشرعية على أنها قدرة السلطة السياسية على اكتساب الاعتراف بها، وعلى النظر إليها بصفتها المعبرة عن مصالح الأفراد ، لأنها تشمل مواقف الأفراد تجاه النظام السياسي، وسياسات وقوانين ومؤسسات الحكومة، فيمكن أن يكون النظام السياسي على مستوى مرتفع من الشرعية حينما يرى المواطنون بأن الحكومة لها الحق في أن تعمل ما تعمله، ويمكن أن تكون السلطة السياسية على مستوى منخفض من الشرعية حينما يرون أن الحكومة خاطئة في ما تعمله. فهي في جانبها هذا ترتبط بالقيم والمعتقدات والمبادئ التي يمثلها النظام، والتي يجب أن لا تتعارض مع القيم والمعتقدات التي يحملها المواطنون.

ويشير روبرت ماك ايفر بهذا الشأن إلى أن الشرعية تتحقق حينما يتطابق إدراك النخبة، وإدراك الجماهير، وفي اتساق عام من القيم والمصالح الأساسية للمجتمع مما يحفظ للمجتمع تماسكه.

وفي سلطنة عمان تنازل المجتمع عن السيادة لنظامه السياسي الحاكم ليس هبـة ممنوحة لهذا النظام وإنما لقناعات تاريخية بأن السلطان لديه القدرة على توفير مستلزمات إشباع حاجاتهم المادية ورغباتهم المعنوية وإدارة شؤونهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية بكفاءة وفاعلية إلى جانب تحقيق كرامة الوطن وعزة أهله ونصرة دينه فقبلوا بالطاعة ومنحوه السيادة فكانت نتيجة منطقية لقناعات الأفراد والقبائل بقدرات وإمكانيات السلطة وبالتالي تحققت المشروعية حينئذ ولم يكن النظام بحاجة إلى القوة لفرض نفسه حتى يطيعها الناس.

ويوجد في سلطنة عمان مجلس عمان المكون من هيئتين، الأولى هي مجلس الشورى الذي ينتخب على أساس الاقتراع العام والثانية مجلس الدولة الذي يعينه السلطان، ولهذا البرلمـــــان سلطة معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية وتشجيع الاستثمار والإصلاح الإداري، ويمكنه التعليق على أو اقتراح تعديلات على قوانين تقدم له من قبل وزارة معنية في السلطنة كما يتمتع بصلاحيات تشريعية ورقابية المادة 58 من وثيقة النظام الاساسي للدولة لسنة 1996 وتعديلاته.

لذلك أصبحت وظيفة النظام السياسي العماني تقوم على حماية حقوق المواطنين ورعاية مصالحهم والحفاظ عليها، لأن وظيفة أي نظام سياسي ما هي إلا زيادة عمليات المشاركة السياسية، وهذا الأمر هو الدافع الذي يدفع الأفراد إلى دعم السلطة السياسية التـ تدير شؤونهم وتنظمها وتحمي مصالحهم وأمنهم، وهي تستمد سلطتها من رضا المحكومين، وإذا ما أخلت أو فرطت في حقوق المواطنين فإن من حق الشعب تغييرها، وهذا يعني أن المشاركة السياسية هي معيار الشرعية النظام السياسي وممارسة سلطته السياسية في أي مجتمع، فشرعية أي نظام سياسي إنما تتحقق بقبول المحكومين – الشعب- بحق الحاكم فــــي الحكم وفي استخدام القوة حفاظا على النظام ومصالح الشعب، فالشعوب هـي التـي تختـــار حكامها، وهؤلاء الحكام هم الذين يمارسون سلطتهم باسم الشعوب صاحبة السيادة في الأصل والتي تنازلت عنها للحكام بشروط خاصة . بمعنى أن الحكام لا يمكنهم أن يستبدوا بالشعوب لأن سلطاتهم جاءت أصلا عن طريق الشعوب، وممارسة القوة إنما جاءت بفعل رضاهم.

2- التنمية

هناك علاقة جدلية بين الأبعاد الاقتصادية للتنمية وأبعادها السياسية، فمن جهة تعد التنمية الاقتصادية أحد مدخلات النظام السياسي التي تؤثر في أدائه من خلال تأثيرها في تفاعلاته وأطرافه، ومن جهة أخرى تعد أحد مخرجات النظام السياسي، ويتوقف نجاحها على درجة شرعية هذا النظام وقدرته على تعبئة الجهود والطاقات وتوفير الأمن والاستقرار وكذلك أبعاده الثقافية تؤثر على التنمية السياسية والاقتصادية.

والتنمية بوصفها آلية للتفاعل بين المشاركة السياسية والقرار السياسي، تؤثر في حجم المشاركة السياسية ومدى فاعليتها من جانب وتتأثر بها من جانب آخر، فالتنمية تتأثر بالمشاركة السياسية إذ إن هذه الأخيرة هي إحدى الأدلة المباشرة والأساسية على قدرتها فــــي تحقيق أهداف التنمية وتنفيذ برامجها وسياساتها ونقلها من مستوى الأطروحات النظرية إلى مستوى الفعاليات الإنجازية والسياسات التطبيقية. وبذلك فان عدم تحقيق حالة من المشاركة السياسية هو بمثابة الدليل على معاناة المجتمع ونظامه السياسي من حالة التخلف السياس، كما أنه توجد وراء عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية عملية معقدة وهي التنمية السياسية، التي تهدف إلى نقل النظم السياسية التقليدية إلى نظم حديثة، فميل النظام نحو المساواة يترجم نحو نموه السياسي يتحقق عبر الأصعدة الآتية:

‌أ. الانتقال من مفهوم الرعية إلى مفهوم المواطنة أي المساهمة في العمل السياسي.

‌ب. المساواة أمام القانون وذلك من خلال تطبيقه على جميع أفراد المجتمع وبدون تميز بسبب الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين.

‌ج.  تبوؤ المراكز العامة حسب مؤهلات وكفاءة الأفراد وليس عن طريق الوراثة الطبقية الاجتماعية أو الطائفية.

وبهذا فإن التنمية السياسية تعني تنمية الولاء للوطن الذي يقوم على مبدأ المواطنة، هذا المبدأ الذي ارتبط في البداية بالنشاط الاقتصادي والتمتع بثمراته، ثم ارتبط بحق المشاركة في الحياة الاجتماعية، وأخيرا ارتبط بحق المشاركة الفعالة في اتخاذ القرارات السياسية وتولي المناصب العامة والمساواة أمام القانون.

من هنا سعى صانع القرار السياسي لإبراز معالم آليات التنمية السياسية في سلطنة عمان منذ بداية عقد الثمانينيات من القرن العشرين حيث عمل على استحداث تجربة الشورى في الدولة، ففي عام 1981م تم إنشاء المجلس الاستشاري للدولة، والذي لقي الاستحــســان كبداية لهذه الممارسة. فقد جاء هذا المجلس استمرارا للسياسة الرامية إلى إتاحة قدر أكبر من المشاركة السياسية الشعبية في الجهود التي تبذلها الحكومة. وقد عهد للمجلس الاستشاري بمهمة إبداء الرأي والمشورة في السياسة العامة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد وأن يكون إطارا لجهد مشترك بين القطاعين الحكومي والأهلي، ويقوم بإعداد الدراسات ويضع أهداف وأبعاد الخطط الإنمائية والأولويات المقررة لمشروعاتها والمعوقات التي قد تصادف تنفيذ هذه الخطط، والحلول المناسبة لها. ولهذا كان حرص الحكومة على تمثيل القطاعين الحكومي والأهلي معا في ذلك المجلس تمثيلا تحظى فيه الأغلبية الشعبية بعدد الأعضاء الذين يمثلون مختلف المناطق، وذلك لكي يكون المجلس على مستوى الهدف النبيل الذي أنشئ من أجله، وهو أن تؤخذ رغبات وحاجات المواطنين بعين الاعتبار في رسم سياسات السلطنة الوطنية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، ولكي يكون المجلس أيضا مجالا حيويا للتفاعل والتكامل بين الآراء والتعاون التام بين الحكومة والمواطنين.

 3- الديمقراطية

تعد الديمقراطية بنية وممارسة وآلية من الآليات النسبية لكونها قابلة للنمو مثلما قابلة للتراجع لأنها محكومة بالاعتبارات الذاتية والموضوعية لأي مجتمع، فهي تظهر عندما يتوافر الحد الأدنى من شروط ممارستها، فتصبح سلوكا اجتماعيا وطريقة للحياة حينما تنتشر ممارستها في كل المؤسسات من البيت إلى المشاركة في الحياة السياسية، وبذلك يتم الربط بين المشاركة السياسية والعملية الديمقراطية، إذ يدخل الكثيـر مـن المفكرين موضوع المشاركة السياسية ضمن مبادئ الديمقراطية وذلك أنها في بعدها السياسي أجلى صورة في التعددية السياسية والفكرية، كما يتضح في المشهد السياسي توزيع الأدوار وإدارة وتنظيم الحياة السياسية وتوفير الحرية في القيام بالمسؤوليات والحقوق، بما فيها حرية التعبير وعدم التمييز على أي من الأسس العقائدية أو الطائفية أو العشائرية، والمشاركة فــــي القرار ليست توزيعا للحصص والمناصب التي تستهدف إرضاء الجمهور شكليا بل إسهاما في إدارة الشؤون العامة وفي مراقبتها.

وبذلك فإن مفهوم المشاركة السياسية يرتبط ارتباطا وثيقا ومباشرا بالديمقراطية على اعتبار أن المشاركة السياسية هي التعبير العملي الأوضح والأعمق لفكرة الديمقراطية بتطبيقاتها المباشرة وغير المباشرة وشبه المباشرة والشعبية، والتي تدور كل عناصرها حول  محور إشراك جميع المواطنين بفرص وأدوار متساوية في كل جوانب العملية السياسية ومراحلها، بوصف أن الديمقراطية هي الإطار والمؤسسي والإجرائي لضمان المشاركة السياسية، وهذه الأخيرة هي الشرط الأساسي لتطبيق الديمقراطية وقدرتها على تحقيق مهمتها وتحقيق أهدافها إذ تستهدف الديمقراطية كآلية سياسية واجتماعية إلى توسيع المشاركة السياسية للمجتمع بحكم نفسه، لأن الديمقراطية تستند إلى ثلاثة مبادئ أساسية هي: الأول هو: الحرية أي احترام الحريات المدنية والسياسية للمواطنين، والثاني هو: المساواة في بعديها السياسي والاجتماعي أي أن المواطنين بغض النظر عن أوجه اختلافهم وانتماءاتهم يعدون متساوين أمام القانون، أما المبدأ الثالث فهو: المشاركة بمعنى أن يكون القرار السياسي أو السياسة التي تتبناها الدولة محصلة أفكار ومناقشات جمهرة المواطنين الذين سوف يتأثرون بهذا القرار أو السياسة، ويبنى على هذا مبدأ مهم هو حق كل إنسان في المشاركة وإبــداء الـرأي فـــي القـــرارات والسياسات التي سوف تؤثر عليه وعلى حياته وعلى مصالحه.

وتطويرا للعملية الديمقراطية العمانية، فقد واصل مجلس الشورى ممارســـــة نشاطاته واختصاصاته التي تصب في خدمة العملية السياسية في البلاد، وفي عام 1996م حدثت النقلة الكبيرة بصدور النظام الأساسي للدولة " "الدستور" الذي طور التجربة الديمقراطية، حيث تضمنت إحدى مواده تأسيس " مجلس عمان " المكون من مجلس الدولة المعين، ومجلس الشورى المنتخب.

والجدير بالذكر أن النظام الأساسي للدولة جاء ليؤكد على اكتمال بنيان الدولــة، وإحاطتها بسياج قانوني يؤطرها، من خلال تحديده للخطوط والقواعد والمبادئ العامة التـ تنتجها السلطنة في علاقاتها بمواطنيها، وعلاقاتهم بها، وبين حقوقهم وواجباتهم القانونية بكل وضوح. وبالتالي فقد بات هناك علاج دستوري يمكن الرجوع إليه عندما تبرز أو تثور أيــــة قضايا قانونية. كما أوضح النظام الأجوبة التي كانت تحوم في أذهان بعضهم حول مستقبل الحكم في السلطنة. وكان النظام الأساسي سباقا لتناول القضايا المثارة حاليا على الساحة حول حقوق الإنسان، إذ تضمن الباب الثالث حول "الحقوق والواجبات العامة " عددا من البنــــود التي تؤكد ضرورة احترام آدمية الإنسان، وعدم جواز القبض عليه، أو حجزه، أو تفتيشه أو حبسه أو تحديد إقامته، أو تقييد حريته في الإقامة أو التنقل إلا وفق أحكام القانون وفــــي أماكن ملائمة وعدم جواز إبعاد المواطنين، أو نفيهم أو منعهم من العودة إلى السلطنة . كما قضى بمساواتهم أمام القانون، وعدم التمييز بينهم لأي سبب كان . وحظر النظام الأساسي أيضا الحبس إلا في أماكن مخصصة لذلك، على أن تكون مشمولة بالرعاية الصحية والاجتماعية، كما حظر التعذيب بكافة أشكاله.

من هنا فإن مستويات المشاركة السياسية هي التي يمكن أن تؤثر في التنمية السياسية، وهي بطبيعة الحال تتأثر بها، حيث تختلف نسبة وفاعلية المشاركة السياسية من مجتمـع لآخر، وذلك لأسباب ذاتية تتعلق بطبيعة المجتمع ومستوى ثقافته واهتمامه بأمور السياسة وشؤونها، وأسباب موضوعية تتعلق بطبيعة النظام السياسي فيما إذا كان يسمح بالمشاركة السياسية الفعلية أو لا يسمح بها.

لكن يمكن القول إن النخب الاجتماعية والسياسية والفكرية طالبت الأنظمة السياسية في دول الخليج العربية ومن ضمنها سلطنة عمان بالتحول من كم القبيلة الـ الدستوري المقيد بالقانون الذي يحول دون اطلاق يد الدولة في الشؤون العامة، والأخذ بمبدأ الدولة الحديثـــــة. حيث أكـــد كثير من هذه النخب أن الدستور جزء مكمل لمقومات الديمقراطية والمشاركة السياسية، مثلما ورد في النظام الاساسي للدولة في سلطنة عمان من نصوص تؤكد على منح الحريات والمساواة والعدالة الاجتماعية وحقوق الانسان، إذ إن ذلك أسهم وبشكل كبير بضمان تحقيق لاستقرار السياسي في السلطنة، وذلك بموجب ما ورد من نصوص وكما يلي:

-        يقوم الحكم في السلطنة على أساس العدل والـشـــورى والمــسـاواة وللمواطنين - وفقا لهذا النظام الأساسي والشروط والأوضاع التي يبينهـا القانون – حق المشاركة في الشؤون العامة . المادة 9 من النظام الاساسي للدولة لسنة 1996،

-        إقامة نظام إداري سليم يكـــفل العدل والطمأنينة والمساواة للمواطنين، ويضمن الاحترام للنظام العام ورعاية المصالح العليا للوطن المادة 10 من النظام الاساسي للدولة لسنة 1996،

-        العدل والمساواة وتكافؤ الفرص بين العمانيين دعامات للمجتمع تكـفلها الدولة، وتكفل الدولة للمواطن وأسرته المعونة في حالة الطوارئ والمرض العجز والشيخوخة، وفقا لنظام الضمان الاجتماعي، وتعمــل علــى تضامن المجتمع في تحمل الأعباء الناجمة عن الكوارث والمحن العامــة المادة 12 من النظام الاساسي للدولة لسنة 1996 .

وتعد حرية الرأي والتعبير والصحافة والإعلام وسائل لتعبير الافراد عن رأيهم خدمة لعملية التبادل الفكري والثقافي، مكفولة بموجب النظام الأساسي للدولة كما ورد بالنصوص:

-        حرية الرأي والتعبير عنه بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير مكفولة في حدود القانون المادة 29 من النظام الاساسي للدولة لسنة 1996،

-                    حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون ويحظر ما يؤدى إلى الفتنة أو يمس بأمن الدولـــة أو يسيء الى كرامة الانسان وحقوقه. المادة 31 من النظام الاساسي للدولة لسنة 1996 .

المطلب الثاني: دور التنمية السياسية في الاستقرار السياسي

تخلق عملية التنمية السياسية بوجه عام الظروف والشروط الملائمة للتطـور الديمقراطي، فالتنمية السياسية تهدف في النهاية إلى بناء النظام السياسي، وإجراء عمليات التحديث عليه ليصبح نظاما عصريا ومتطورا وديمقراطيا، فالتنمية السياسية بذلك تقترض التخلص من بقايا السلطات التقليدية بخصائصها التي لم تعد تناسب البناء الجديد، وهذه الحالة تتطلب وجود عملية مواجهة مستمرة مع البقايا الراسخة التي ما تزال تؤثر سلبا في اتجاهات الأفراد والمجتمع. ومثال على ذلك لابد من القيام بعملية نفسية وإجرائية لجعـــل الأفــراد يؤمنون بأن الحكومة هي آلية من آليات تحقيق أهدافهم ومصالحهم وطموحاتهم.

ولا بد هنا أن يتسع المجال للتغيير المؤسسي واستمرارية تغيير النظام السياسي، بحيث يكون لدى الأفراد القابلية للموافقة على الأشكال الجديدة للسلطة التنظيمات والطرق الجديدة لتداول السلطة.

ويحتاج التطبيق الفعلي للديمقراطية الاهتمام الجدي بمقومات التنمية السياسية التي لها دور في تحقيق المساواة بين أفراد المجتمع، وهي:

. 1 المشاركة السياسية

يقوم المفهوم العام والبسيط للمشاركة السياسية على حق المواطن في أن يؤدي دورا معينا في عملية صنع القرارات السياسية، هذا في أوسع معانيها، وفي أضيق معانيها تعني حق ذلك المواطن في أن يراقب تلك القرارات بالتقويم والضبط عقب صدورها من الحاكم، وقد تم التطرق لها في المبحث الثاني من الفصل الثاني في هذه الدراسة.

.2 التعددية السياسية

لقد تم تناول تعريف ظاهرة التعددية الحزبية من قبل عدد من المهتمين بالشؤون السياسية وكما يأتي:

-    يعرفها سعد الدين إبراهيم على أنها: "مشروعية تعدد القوى والآراء السياسية وحقها في التعايش والتعبير عن نفسها والمشاركة في التأثير على القـرار السياسي فــي مجتمعها.

-    يعرفها محمد عابد الجابري بأنها مظهر من مظاهر الحداثة السياسية التي هي أولا  وقبل كل شيء وجود مجال اجتماعي وفكري يمارس الناس فيه "الحرب" عن طريق السياسة أو بواسطة الحوار والنقد والاعتراض والأخذ والعطاء، وبالتالي التعايش في إطار السلم القائم على الحلول الوسطية.

وللتعددية السياسية نماذج عدة فمنها ؛ التعددية الحقيقية ومنها التعددية الشكلية، فالتعددية الحقيقية قائمة على وجود أحزاب مختلفة ن البرامج والأيديولوجيات، وهذه الأحزاب تتنافس فيما بينها عن طريق الانتخابات الحرة التي تجري بصورة دورية، أمـــا التعددية الشكلية فهي في إطارها الخارجي تحمل مظاهر التعددية السياسية، أي تكون من عدة أحزاب، ولكن النظام القائم أقرب إلى نظام الحزب القائم، وهو الحزب المسيطر، ومن هذا فإن التعددية السياسية تعني الاختلاف في الرأي والطروحات الفكرية واختلاف فــي البــرامج والأيديولوجيات والمصالح والتكوينات الاجتماعية والديمغرافية والاقتصادية.

وعليه فمن الممكن أن نميز بين التعددية السياسية والتعددية الحزبية، فالتعددية السياسية تتصف بالشمولية، أي أنها يجب أن تتضمن تعددية حزبية، لأنها تمثل قوة اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية مختلفة، أما التعددية الحزبية لا تعني تعددية سياسية، إذا كانت هناك سيطرة كاملة لحزب واحد وتهميش للأحزاب الأخرى، أي أن التعددية الحزبية جزء مكمل للتعددية السياسية .

ووفقا إلى ذلك فإن التعددية السياسية تعد أحد الشروط الأساسية لتحقيق الديمقراطية ومظهرا من مظاهرها الأساسية وعنصرا من عناصر وجود الديمقراطية، ولكن لا يغيب عن البال أن تحقيقها هو أمر سهل، لذلك لا يمكن تحقيق الديمقراطية، بين عشية وضحاها "فإرساء نظام ديمقراطي معناه إقامة بنيان متكامل يشمل مكونات عديدة مثل الضمانات المتعلقة بصيانة حقوق الإنسان بما في ذلك حرية التعبير العلني، وتكوين الجمعيات والانضمام إليها وسيادة القانون، وإجراء انتخابات حرة نزيهة يتنافس فيها الجميع على فترات دورية، ووجود نظـــام متعدد الأحزاب يسمح بتداول السلطة بصورة رسمية ومنظمة، وفوق ذلك ضرورة وجود نظام للضبط والمراقبة يجعل المنتخبين للمناصب العامة، مسؤولين مسؤولية كاملـة أمــام الناخبين"، لذلك فإن مبدأ إقرار التعددية السياسية لا يعني تحقيق الديمقراطية، فالديمقراطية تعني قبل كل شيء منع احتكار السلطة والثروة من قبل فئة أو جهة واحدة أو طائفة اجتماعية معينة، بدون التداول السلمي للسلطة، وتوزيع الثروة بين الجميع وفقا إلى مبدأ تكافؤ الفرص والاستحقاق والجدارة، فمن الصعب الادعاء بتحقيق الديمقراطية .

بهذا المعنى تعد الديمقراطية شكلا من أشكال ممارسة السلطة، على أن يكون هناك اتفاق ووئام بين جميع أعضاء الجماعة الوطنية والقوى والأحزاب السياسية، على شكل الممارسة، فالمسألة الديمقراطية تبقى شكلية دون مساهمة الجميع في ممارستها، بحيث تحقق في النهاية الوحدة الوطنية عن طريق مشاركة جميع القوى الوطنية السياسية والاجتماعية المؤثرة في المجتمع التي بإمكانها المشاركة في عملية صنع واتخاذ القرار السياسي والحفاظ على مبـدأ تداول السلطة عن طريق: مبدأ سيادة القانون، ومبدأ عدم الجمع بين السلطات، ومبــدأ لا سيادة لفرد ولا قلة على الشعب، ومبدأ ضمان حقوق الأفراد . ووفقا إلى ذلك فالديمقراطيـــــة بهذه الحالة ليست فقط أحزاب أو انتخاب، وإنما هي مجموعة من الأفكار والقيم التي ينتجها أفراد المجتمع عن طريق مؤسسات التنشئة السياسية والتوجيهية، وإن أهم هذه القـــيم الإيمان بالتعددية الحزبية والتسامح السياسي والفكري. وبعبارة أخرى فإن الديمقراطية هي المشاركة السياسية وحقوق الإنسان، وهـذا جـوهر التعددية الحزبية، فالتعددية الحزبية تعني التسامح واحترام حقوق الآخرين وحق الفرد فــــي اختيار من يمثله في السلطة وضمان حقه في عملية صنع القرار السياسي، وإن الإطار القانوني والمؤسسي لنظام التعددية السياسية الذي يجب أن يقوم عليه النظام السياسي في أي بلد هو:

‌أ. أن الشعب هو مالك السلطة ومصدرها ويمارسها بشكل مباشر عن طريق الانتخابات العامة، كما يمارسها بطريقة غير مباشرة عن طريق المجالس المحلية والمنتخبة، وفي سلطنة عمان يقوم على أساس العدل والشورى والمساواة، وللمواطنين حق المشاركة في الشؤون العامة المادة9  من النظام الأساسي للدولة رقم 101 لسنة 1996 .

‌ب. يجب أن يقوم النظام السياسي على التعددية السياسية وذلك من أجل تداول السلطة سلميا وتنظيم الأحكام والإجراءات الخاصة بتكوين التنظيمات والأحزاب السياسية وممارسة النشاط السياسي، ولا يحق استغلال الوظيفة العامة أو المال لمصلحة خاصة بحزب أو تنظيم سياسي معين، وفي سلطنة عمان يجري التأكيد على إقامة نظام إداري سليم يكفل العدل والطمأنينة والمساواة للمواطنين، ويضمن الاحترام للنظام العــام ورعايـة المـصالح العليـا للوطن المادة 10 من النظام الأساسي للدولة رقم 101 لسنة 1996.

‌ج.  يجب أن يقوم المجتمع على أساس التضامن الاجتماعي القائم علـى العـــدل والحرية والمساواة. وفي سلطنة عمان التعاضد والتراحم صلة وثيقة بين المواطنين، وتعزيز الوحدة الوطنية واجب. وتمنع الدولة كل ما يؤدى للفرقة أو الفتنة أو المساس بالوحدة الوطنية الفقرة 2 المادة 12 من النظام الأساسي للدولة رقم 101 لسنة 1996 .

‌د.    يجب أن تكفل الدولة حرية الفكر والإعراب عن الرأي وحرية الصحافة. وفي سلطنة عمان حرية الرأي والتعبير عنه بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير مكفوله في حدود القانون. المادة 29 من النظام الأساسي للدولة رقم 101 لسنة 1996، وحرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون. ويحظر مايؤدي إلى الفتنة أو يمــــس بأمن الدولة أو يسيء إلى كرامة الإنسان وحقوقه المادة 31 من النظام الاساسي للدولة رقم 101 لسنة 1996.

‌ه.   كل مواطن له الحق في الانتخاب والترشيح وإبداء الرأي. وفي سلطنة عمان لكل عماني الحق في انتخاب أعضاء مجلس الشورى إذا اكمل واحدا وعشرين عاما ميلاديا في اليوم الأول من شهر يناير من سنة الانتخاب. الفقرة 1، المادة 2، الفصل الثاني حق الانتخاب، من اللائحة التنظيمية لانتخابات مجلس الشورى .

‌و.    الاعتماد على مبدأ حرية النشاط الاقتصادي. وفي سلطنة عمان حرية النشاط ضمن الاقتصادي مكفولة في حدود القانون والصالح العام وبمــا السلامة للاقتصاد الوطني. وتشجع الدولة الادخار وتشرف على تنظيم الاتمان الفقرة 2، المادة 11 من النظام الأساسي للدولة رقـم 101 لسنة 1996

‌ز.    العمل على مبدأ تكافؤ الفرص لجميع المواطنين، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وفي سلطنة عمان العدل والمساواة وتكافؤ الفرص دعامات للمجتمع تكفلها الدولة الفقرة 1، المادة 12 من النظام الأساسي للدولـة رقـم 101 لسنة 1996.

.3 التداول السلمي على السلطة

المقصود بالتداول السلمي على السلطة، هو عدم جعل الحكم في قبضة شخص واحد، أي التعاقب الدوري للحكام في ظل انتخابات حرة، وبذلك سوف يمارس هؤلاء الحكام المنتخبون اختصاصاتهم الدستورية لفترات محددة سلفا، وبهذا سوف لا يتغير اسم الدولة ولا يتبدل دستورها ولا شخصيتها الاعتبارية بتغيير الحكام والأحزاب الحاكمة، وبهذا فإن السلطة هـي اختصاص يتم ممارسته من قبل الحاكم بتخويل من الناخبين وفق أحكام الدستور، أي أن السلطة ليست حكرا على أحد، وإنما يتم تداول السلطة وفقا لأحكام الدستور الذي يعد السلطة الت لا تعلوها سلطة أخرى.

يتضح مما تقدم أن مبدأ التداول السلمي على السلطة من قبل الأحزاب والحركات السياسية يعد من أبرز آليات الممارسة الديمقراطية، فمن غير الممكن الحديث عن قيام دولة ديمقراطية ما لم يكن هناك إيمان واعتراف بمبدأ التداول السلمي على السلطة من خلال تبادل الحركات

والأحزاب لمواقع الحكم داخل الدولة، وهذا يعني أن السلطة السياسية لم تعد حكرا على أحد أو لحساب حزب معين أو جهة معينة على حساب مصلحة الآخرين، وإنما السلطة يتم إدارتها من قبل الأحزاب والحركات السياسية التي تحصل على الأغلبية من أصوات الناخبين أثناء العملية الانتخابية، ولهذا فإن مبدأ التداول السلمي علـــى السلطة قائم على أساس المنافسة الحرة مابين القوى السياسية، إذ تصير المنافسة وفقا للأحكام الدستورية والقانونية، دون الخروج عنها، لأن الخروج عنها يعني الخروج عن القانون والنظام، ومن ثم الخروج عن الديمقراطية بل مفاهيمها، لذلك فالتداول السلمي على السلطة، يعني الاعتراف بشرعية النظام السياسي من قبل الشعب ومزاولة ذلك النظام لأعماله الدستورية وفقا للقانون، وهذا الأمر بحد ذاته يقوي أسس وقواعد الوحدة الوطنية، لأن الشعب بكل طوائفه، أغلبية وأقلية ممثلا في هذه السلطة وحقه مصان وفقا لأحكام الدستور، وبهـذا يصبح جميع أفراد المجتمع ينتمون بقوة إلى المجتمع، ويشاركون بصورة فعاله فـــي الحيـــاة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويتمتعون بنصيب عادل من عوائدها، وبالتالي فإن ذلك سوف ينعكس بشكل إيجابي على أمن واستقرار البلد، وذلك لأن مسألة تداول السلطة ومشاركة الجميع فيها، ومن خلال قنواتها المعروفة، سوف يحقق نوعا من الإجماع السياسي، الذي يعد أساسا لبناء الديمقراطية وتحقيقها.

وتتمثل عملية تداول السلطة في التجربة العمانية، في سمات النهضة أو الانتفاضة التي قادها السلطان قابوس منذ عام 1970، المبنية على أسس قانونية أفضت عن تغيير تدريجي جرى الانتقال بها من حالة العزلة إلى الانفتاح، ومن الحكم المطلق إلى دولة القانون والمؤسسات، تشكل بموجبها النظام السياسي للسلطنة نوعا من الديمقراطية بخصائص عمانية فريدة كونهــــا تمزج بين الشورى الإسلامية والديمقراطية المراقبة، بالاستناد الى الوثيقة الحقوقية المكتوبة التي جرى الإعلان عنها عام 1996 وسميت بالنظام الأساسي للدولة، التي ضمنت تثبيت الحكم الوراثي في السلطنة، وحددت كيفية نقل مقاليد السلطة بصورة طبيعية إلى أكثر المؤهلين فيها لتحمل مسؤوليات الحكم وإدارة الدولة، ورسمت بدقة متناهية مؤسسات السلطة الرئيسة وكيفية إدارة شؤون الحكم القائم على إناطة إصدار المراسيم حصريا بالسلطان وأوكل الاقتراح والتنفيذ إلى مؤسسات حديثة متطورة توزعت بين مجلس الدولة ومجلس الشورى اللذين يجتمعان معا في مجلس عمان، مع توفير الاستقلالية التامة لمؤسسة القضاء عن المؤسسات الأخرى بصفتها سلطة الرقابة المباشرة.

لذا فإن عملية تداول السلطة في سلطنة عمان تحددت ضوابطها وشروطها من خلال:

-    اختيار السلطان: حددت ضوابط اختيار السلطان في المادة 6 من النظام الأساسي للدولة الصادر بموجب المرسوم السلطاني رقم 101 لسنة 1996 وتعديلاته .

-    السلطة التشريعية: تناولت اللائحة التنظيميـة لانتخابات مجلس الشورى الصـــــادرة في 2000/5/22 تحديد وتنظيم الجوانب الإجرائية والتنظيمية  لانتخابات مجلس الشورى بواسطة الشعب العماني وبشكل دوري كل أربعة أعوام .

.4 حماية واحترام حقوق الإنسان

إن مسألة حقوق الإنسان والاعتراف بها من قبل الدساتير والتشريعات الداخلية في الدولة، أو في الاتفاقات الدولية والإقليمية لا يتحقق لها الاحترام والفاعلية المطلوبة ما لم يكن هناك ضمانات تعمل على حمايتها، والمقصود هنا بالضمانات الوسائل والأساليب المتنوعة التـ يمكن بواسطتها حماية الحقوق والحريات من أن يعتدى عليها.

ويقصد بحماية حقوق الإنسان مجموعة الإجراءات التي تتخذ على الصعيد الدولي والإقليمي وعلى الصعيد الوطني من قبل الجهات المختصة في بلد ما ببيان مدى التزام سلطات هذا البلد بحقوق الإنسان والكشف عن الانتهاكات المرتكبة ووضع المقترحات لوقـــف هذه الانتهاكات بإحالته إلى القضاء الوطني أو إلى قضاء دولي لمحاسبتهم".

وفي سلطنة عمان أنشئت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بموجب المرسوم السلطاني رقم 124 لسنة 2008 الذي حدد اختصاصاتها، وتم تسمية أعضائها بموجد المرســـــوم السلطاني رقم 110لسنة 2010. و من أجل تنظيم العمل في هذه اللجنة ولغرض القيـام بالمهمات والإختصاصات المختلفة فيها فقد تم تشكيل ثلاث لجان فرعية هي لجنة الشؤون القانونية، ولجنة الرصد وتلقي البلاغات، ولجنة العلاقات والمنظمات الدولية .

في سياق هذا المفهوم لحقوق الإنسان وممارسته في مجتمع ما، فإن هذه الحقوق لا تحقق بمجرد النص عليها في دستور الدولة وقوانينه ولا بمصادقة هذه الدولة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وحرياته، فممارسة الحقوق والحريات لا نجدها إلا في ظل مجتمع حر يتمتع بنظام حر، والصفة الرئيسة التي تميز هذا النظام هي خضوع سلطة الحكم للقانون عن طريق الضمانات التي تكمل الحقوق والحريات العامة، والتي في جوهرها عبارة عن مبادئ قانونية تضمن انصياع السلطة لمطالب الحرية، ويمكن أن نتناول هذه المبادئ على الشكل الآتي:

.1 مبدأ سيادة القانون: يعد من إحدى الضمانات الأولى والمبدئية لحماية حقوق الإنسان، إذ تخضع سلطة الحاكم في الدولة للقانون خضوع المحكومين له وفقا للدستور الذي يضع قواعد الحكم الأساسية، ويقرر الحقوق والحريات الخاصة للأفراد والجماعات، وبهذا يتحقق للأفراد المركز القانوني في مواجهة سلطة الحكم.

وفي سلطنة عمان السلطان رئيس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة، ذاته مصونة لا تمس واحترامه واجب، وأمره مطاع. وهو رمز الوحدة الوطنية والساهر على رعايتها وحمايتها المادة 41 من النظام الأساسي للدولة رقم 101 لسنة 1996، والمواطنون جميعهم سواسية أمام القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العــامــة، ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصــــل أو اللون أو اللغة أو الدين أو المذهب أو الموطن أو المركز الاجتماعي المادة 17 ن النظام الأساسي للدولة رقم 101 لسنة 1996 .

2 . مبدأ الفصل بين السلطات المقصود بالسلطات هنا هو المؤسسات والهيئات العامة الحاكمة في الدولة وهي حسب وظائفها تقسم إلى ثلاث سلطات تشريعية - تنفيذية وقضائية.

والمراد هنا بالفصل بين السلطات الثلاث ضمانه من ضمانات حقوق الإنسان، هـو أن تكون لكل سلطة من السلطات الثلاث في الدولة اختصاصاتها المحدودة. بحيث تكـــــون كل سلطة منفصلة عن الأخرى انفصالا مرنا، وذلك لمنع قيام حكم مستبد بتركيز السلطة بيد واحدة أو جهة واحدة، وبحيث تمارس كل سلطة رقابتها على الأخرى مــــع ضمان الحريات والحقوق في المجتمع.

والفصل بين السلطات، يعني عدم تركيز السلطات في الدولة في يد واحدة أو هيئــة واحدة، فالشخص لا يجوز له أن يتولى أكثر من وظيفة واحدة من وظائف الدولة الثلاث، التشريعية -التنفيذية أو القضائية، فمثلا لو اجتمعت السلطة التشريعية أو التنفيذية في يد واحدة فقد يحدث أن يعدل القانون المراعاة أغراض شخصية وبذلك يفقد التشريع الغرض الأساسي له وهو وضع قواعد عامة مجردة لتطبق على كل الحالات.

وفي سلطنة عمان تقوم المحكمة الإدارية التي أنشئت عام 1999 بالنظر بقضية الفصل بين السلطات، والتي لم يكن هناك مجال للطعن بقراراتها الإدارية التي كانت محصنة من الرقابة القضائية، إذ نص النظام الأساسي للدولة رقم 101 لسنة 1996، على أن الفصل بالخصومات الإدارية يتم بإحدى طريقتين إما بواسطة دائرة أو بواسطة محكمة خاصة وتطبيقا لهذا النص صدر المرسوم السلطاني رقم 91 لسنة 1999 قضى بإنشاء محكمة القضاء الإداري وإصدار قانونها وحـــدد صلاحياتها.

3. مبدأ الفصل بين السلطتين المدنية والعسكرية: المقصود هنا بهذا الفصل هو عدم تدخل السلطة العسكرية في الشؤون السياسية، ومنع محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية وعدم ممارسة العسكريين للسلطة القضائية. وفي سلطنة عمان تم تعديل اختصاصات المحكمة الادارية بموجب المرسوم السلطاني رقم 3 لسنة 2009 إذ أصبحت صاحبه الاختصاص العام والشامل بنظر جميع الخصومات الإدارية، باستثناء منتسبي الوحدات الأمنية والعسكرية، فذلك خارج اختصاص المحكمة الإدارية كما نص على تعديلات طالت إعادة تشكيل المحكمة على المستويين الابتدائي والاستئنافي.

4. مبدأ استقلال السلطة القضائية: القضاء معناه العام هو الفصل بين الناس في الخصومات والنزاعات على سبيل الإلزام، ودور القضاء كبير في المجتمع وذلك لإنصاف المظلومين، فالقضاء هو الوسيلة التي تسترجع بها الحقوق إلى أصحابها وتصان بها الحريات والأعراض والأموال، وإن قيام القضاة بأداء وظائفهم بحرية واستقلال يعد من أكبر الضمانات لحماية الحقوق والحريات العامة والخاصة، وهذا يعني أن يتساوى أمام القضاء الجميع تحت سماء العدالة. ويقوم مبدأ استقلال القضاء على مبدأ أساسي وهـو "لكي تتحقق المساواة وتضمن العدالة في الحكم القضائي، يجب أن يتمتع القاضي بالاستقلال التام والحرية الكاملة في عملية اتخاذ القرار القضائي".

وفي سلطنة عمان السلطة القضائية مستقلة، وتتولاها المحاكم علـــى اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفق القانون المادة 60 من النظام الأساسي للدولة قم 101 لسنة 1996.

5. مبدأ الرقابة القضائية على دستورية القوانين: المقصود هنا بالرقابة القضائية، هو حماية حقوق الإنسان من تجاوزات السلطة التشريعية، وذلك من خلال منع المشرع من انتهاك المبادئ التي تهدف لضمان حقوق الإنسان أثناء عملية تشريع القوانين، ولتحقيق هذا الهدف يجب إنشاء محكمة دستورية عليا يكون اختصاصها الحكم بإلغاء القانون إذا ثبت عدم دستوريته، وتتجسد الرقابة في وجوب خضوع القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية للرقابة القضائية للتأكد من مطابقتها للنصوص الدستورية.

6. مبدأ الرقابة القضائية على تصرفات الإدارة وقراراتها وهذا المبدأ يختص بحماية الحقوق والحريات من تجاوزات السلطة التنفيذية، وذلك من خلال مراقبة أعمال الحكومة والإدارة، عن طريق السلطات القضائية والتي تشمل تصرفات الإدارة وقراراتها، في حالة ثبوت الإساءة في استعمال السلطة فتقوم السلطة القضائية بــرد الأمور إلى ما كانت عليه، وتصحيح الخطأ والحكم بتعويض المتضررين.

وتعد سلطنة عمان الآن واحدة من الدول الناجحة في تنفيذ عمليات التنمية بما يفضي لتحقيق عملية الاستقرار السياسي، ويعود الفضل في هذا النجاح إلى التزام القيادة السياسية بالتخطيط التنموي الإستراتيجي الذي يفضي لتحسن مستوى المؤسسات، بالإضافة لأهمية دور الحكومة ورؤيتها الواضحة في صياغة أهداف استراتيجية قابلة للتنفيذ، وتبني التخطيط الاقتصادي مجتمعيا، نهجا لتحقيق التنمية التي عادة ما تتفاوت معوقاتها في أغل الدول بضعف الإرادة السياسية وضعف التزام السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية بالتخطيط التنموي وضعف تبني المجتمع للخطط التنموية، والخلل في بنية المنظومة التخطيطية، وكذلك عـــدم وضوح الأهداف، وضعف السياسات وضعف الموارد البشرية، وعدم القدرة على التنبؤ إلى غير ذلك من المعوقات الفنية، إلا أن المعوقين الرئيسيين بشكل واضح هما:

1. ضعف المؤسسات: يعد ضعف المؤسسات من أهم معوقات التنمية حيث دلت الدراسات الكثيرة على أن ضعف المؤسسات تعيق تنفيذ خطط التنمية وتقلل معدل النمو وتعيــق التنمية بشكل عام، وهناك مؤشرات دولية مختلفة لقياس المؤسسات مثل ما يتعلق بالحريات السياسية والمدنية، ومؤشرات الحاكمية، وفعالية الحكومة، ومؤشر محاربة الفساد الذي تتراوح قيمة مؤشره بين 2.5 للتعبير عن أقصى درجات مكافحة الفساد وتقدم المؤسسات. وسالب 2.5 للتعبير عن أقل درجات مكافحة الفساد وضعف المؤسسات. وتشير قيمة هذا المؤشر لسلطنة عمان على أن مستوى محاربة الفساد جيدة حيث كان المؤشر موجبا وتتراوح قيمته حاليا 0.5.

2. الاستقرار السياسي: تتفاوت أسباب عدم الاستقرار السياسي بين التغيــر السريع فــــي الحكومات، والتوجيهات الحكومية وأولوياتها، بحيث يتغير التزام الحكومات المتتالية بالأهداف التنموية والرؤية والأهداف الاستراتيجية، وكذلك إلى الظروف الداخلية أو الحروب مع عدو خارجي. ومع أن معظم الدول العربية عانت وتعاني من عدم الاستقرار السياسي إلا أن سلطنة عمان تنعم بالاستقرار السياسي بشكل كبير، بحيث انعكـس ذلك على مؤشر الاستقرار السياسي الذي يصدره البنك الدولي الذي يقيس عمليــة ممارســــة السلطة وتغير الحكومات ومقدرة الحكومة على صياغة السياسات وتنفيذها، إذ تتراوح قيمة هذا المؤشر بين 2.5 للتعبير عن أعلى درجات الاستقرار السياسي وسالب 2.5 للتعبير عن أدنى درجات الاستقرار السياسي. ويشير هذا المؤشر إلى أن عمان تتمتع بدرجات استقرار جيدة بشكل عام وهي من بين أعلى الدول العربية استقرارا، فقد كانت قيمة هذا المؤشر موجبة لجميع السنوات وتزيد على 0.8 في معظم السنوات التي تتوافر فيها المعلومات وصلت في السنوات الأخيرة إلى 0.89. وقد احتلت الترتيب الثاني في الدول العربية بعد قطر. ويعد هذا مؤشرا إيجابيا ويتوافق مع ما حققته سلطنة عمان في التنمية البشرية، وذلك لكونها حققت نجاحا كبيرا في النمو والتنمية خلال العقود الأربعة الماضية بفضل اعتماد التخطيط الإستراتيجي الذي جرى اتباعه منذ تولي جلالــــة السلطان قابوس الحكم. فقد نفذت السلطنة الخطة الإستراتيجية الأولى 1970-1995 من خلال خطط خمسية متتالية، ثم أتبعتها بخطة استراتيجية ثانية طويلة الأجل -2020 1996 يتم تنفيذها من خلال خطط متوسطة المدى مدة الواحدة خمس سنوات، وقــــد ظهر هذا النجاح من خلال ما حققته السلطنة من معدلات نمو مرتفعة فكانت الوحيدة عربيا من بين 13 دولة في العالم التي استطاعت أن تحقق نموا مستداما أي معدل نمو حقيقي قيمته 7% سنويا لمدة 25 عاما فأكثر للفتـرة 1999-1960. كما حققت نموا حقيقيا على مستوى دخل الفرد مقداره 3.5% للفترة 1990-1998 و 2.7% للفترة 1990-2000 و 2.2% للفترة 2000-2010.

إن سلطنة عمان حققت تقدما كبيرا في هذا المجال، إذ قالت الأمم المتحدة في تقرير لها عن التنمية البشرية لعام 2010 الذي صدر تحت عنوان "الثروة الحقيقية للأمم مسارات إلى التنمية البشرية": إن عمان جاءت في المركز الأول على مستوى العالم بين137 دولة، وقــــد بحث التقرير في معدل التحسن الذي حققته مقارنة بما كانت عليه عام 1970. وجاءت السعودية في المرتبة الخامسة وتونس السابعة والجزائر التاسعة والمغرب العاشرة.

وأوضح التقرير أن "مصدر" هذا التقدم ليس إيرادات النفط والغاز كما قد يفترض" وإنما هـو نتيجة "للإنجازات الكبيرة التي حققتها هذه البلدان في الصحة والتعليم أي في البعدين غيـر المرتبطين بالدخل من دليل التنمية البشرية. فقد ارتفع مؤشر التنمية البشرية في سلطنة عمان والذي يتكون من ثلاثة مؤشرات أساسية، إذ ارتفع هذا المؤشر من 0.696 عام 2005 والذي يعبر عن مستوى متوسط في التنمية، إذ يتم تفسير قيمة المؤشر الذي يتراوح بين 0.50 وحتى 0.70 بمستوى متوسط للتنمية البشرية. وقد ارتفع هذا المؤشر في عام 2011 ليصبح 0.705 وهذا يصنف على أنه مرتفع، وقد حققت الترتيب الثامن بين الدول العربية و 89 عالميا. بالإضافة لقيامها بعملية التعديل الهيكلي الذي مكن السلطنة من زيادة حصة الصناعات التحويلية في الناتج المحلـ الإجمالي من 2.4% عام 1980 إلى 10.6% عام 2009 وهذا تغيير مهم جدا في تنويع القاعدة الإنتاجية.

خاتمة

مرت عملية الاصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في سلطنة عمان بالعديد من التحولات والمراحل منذ أن تولى السلطان قابوس مقاليد الحكم في السلطنة في عام 1970م، وكان سمتها الغالبة التدرج في المراحل وعدم القفز فوقها أخذا في الاعتبار الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي كان سائدا قبل عام 1970م، وأخذا في الاعتبار أيضا أن التغيرات الاجتماعية والسياسية لا تأتي فجأة وتستغرق وقتا غير قليل لكي تنضج وتصبح قادرة على التأثير في حركة الفرد والمجتمع والدولة وتتطلب توافقا عميقا بين تطلعات المجتمع من ناحية والأداء السياسي للنظام من ناحية أخرى.

وخلال هذه المراحل من الاصلاح السياسي تلاقت وتوافقت وجهة نظر المواطنين مع وجهة نظر النظام السياسي في ضرورة تحقيق مستويات عالية من التنمية في جميع صورها وأشكالها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها والبدء في التخطيط لعمل مؤسسي راسخ قادر على الاستمرار والبقاء والقدرة على ممارسة دوره الفاعل انطلاقا من الوعي بالمسؤولية الوطنية.

إن مسيرة الإصلاح السياسي والديمقراطية في سلطنة عمان تطورت من خلال تجربة وطنية عمانية لها خصوصيتها وتقاليدها ولها فكر ورؤية تستمدها من قيمها الإسلامية ومن تراثها العماني العريق وتأخذ بمعايير وأدوات العصر فعلى هدى من هذه المزاوجة كانت التجربة تكتسب الخبرة والمهارة ويتعاظم دورها من مرحلة إلى أخرى إلى أن أصبحت عمان يتوافر فيها اليوم برلمان وحياة نيابية فاعلة بالمفهوم العصري للممارسة الديمقراطية وفرا لها كل مقومات الشراكة الحقيقية في صناعة القرار بما يجعلها جديرة به.